المقال التاسع: سفر إشعياء (7): إشعياء 56–66
- مينا وجيه يوسف

- 5 days ago
- 4 min read
صهيون الجديدة، شعب الله الموسَّع، ونهاية الرجاء القومي
بقلم: مينا وجيه يوسف

موقع إشعياء 56–66 في بنية السفر ولاهوت النبوة
يمثّل إشعياء 56–66 الذروة اللاهوتية لسفر إشعياء كله، وفيه يصل التوتر بين القراءة القومية والقراءة العهدية الخلاصية إلى أقصى درجاته. فبعد أن أُعيد تعريف الخلاص في إشعياء 40–55 على أساس عبد الرب والفداء النيابي، ينتقل النبي إلى وصف جماعة الخلاص في واقعها العبادي والأخلاقي والإسخاتولوجي. هنا لا يعود السؤال: كيف تُستعاد إسرائيل سياسيًا؟ بل: من هو شعب الله، وكيف تُعرَّف العبادة، وما هي النهاية التي ينتظرها التاريخ؟
لهذا السبب تحديدًا يعتمد اللاهوت التدبيري بكثافة على هذا القسم، لا سيما إشعياء 60–62 و65–66، لإثبات مجد قومي مستقبلي لإسرائيل، ومركزية أورشليم، وخضوع الأمم. غير أن القراءة المتأنية للنصوص تكشف أن إشعياء لا يسير في اتجاه تكريس الامتياز القومي، بل في الاتجاه المعاكس تمامًا: توسيع شعب الله، نقد العبادة القومية، ونقل الرجاء من الجغرافيا إلى الخليقة الجديدة.
إشعياء 56: انفتاح العهد وكسر الحاجز الإثني
يفتتح إشعياء هذا القسم بإعلان لاهوتي ينسف أي تصور إثني مغلق لشعب الله:
"ولا يقل ابن الغريب الذي التصق بالرب قائلًا يفصلني الرب عن شعبه" أش 56: 3
الانتماء إلى شعب الله هنا لا يُقاس بالأصل ولا بالدم، بل بالالتصاق بالرب. ثم يوسّع النبي هذا الإعلان بوضوح أكبر:
"وأبناء الغريب المنضمين إلى الرب ليخدموه… آتي بهم إلى جبل قدسي وأفرحهم في بيت صلاتي" أش 56: 6–7
صهيون المستقبلية ليست حكرًا على إسرائيل الجسدية، بل موضع اجتماع كل من يلتصق بالرب ويحفظ عهده. ويأتي الإعلان الحاسم الذي يضع حدًا لأي تأويل قومي ضيق:
"لأن بيتي بيت الصلاة يُدعى لكل الشعوب" أش 56: 7
هذه ليست ملاحظة جانبية، بل مبدأ تأسيسي في نهاية السفر، يستحضره الرب يسوع نفسه ليُعلن دينونة الهيكل حين تحوّل إلى رمز قومي مغلق.
إشعياء 57–59: نقد العبادة القومية وغياب البر
ينتقل إشعياء بعد ذلك إلى تفكيك التدين الشكلي الذي يطلب البركات دون الخضوع للبر الإلهي. يبدأ بإعلان مأساوي:
"الصديق يهلك وليس أحد يجعل ذلك في قلبه" أش 57: 1
ثم يبلغ النقد ذروته في إشعياء 58، حيث يُعاد تعريف الصوم والعبادة تعريفًا جذريًا:
"أليس هذا صومًا أختاره حل قيود الشر فك عقد النير" أش 58: 6
العبادة المقبولة لا تُقاس بطقوس قومية ولا بشعارات دينية، بل بالعدل والرحمة ورفع الظلم. بهذا، يضع إشعياء مسافة فاصلة بين العبادة الحقة وأي لاهوت يقدّس شعبًا أو دولة بمعزل عن السلوك الأخلاقي.
في إشعياء 59، يُشخَّص جوهر الأزمة:
"بل آثامكم صارت فاصلة بينكم وبين إلهكم" أش 59: 2
الانفصال هنا ليس سياسيًا ولا جغرافيًا، بل روحيًا. ومن ثم، لا يمكن علاجه بإعادة أرض أو سيادة، بل بتدخل إلهي يغيّر القلب.
إشعياء 59–60: تدخل الرب ومجد صهيون المعاد تعريفه
إذ يعجز الإنسان عن إصلاح حاله، يعلن إشعياء أن الرب نفسه يتدخل:
"فرأى أنه ليس إنسان وتعجب أنه ليس شفيع فخلصت ذراعه لنفسها" أش 59: 16
هذا التدخل الإلهي المباشر يُمهّد لوصف مجد صهيون في إشعياء 60، وهو من أكثر المقاطع التي يُساء استخدامها قوميًا:
"قومي استنيري لأنه قد جاء نورك ومجد الرب أشرق عليك" أش 60: 1
غير أن إشعياء نفسه يحدّد طبيعة هذا المجد:
"وتسير الأمم في نورك" أش 60: 3
الأمم لا تأتي خاضعة سياسيًا، بل منجذبة روحيًا. والنور ليس تفوقًا قوميًّا، بل حضور الله نفسه. وغاية هذا المجد ليست السيادة، بل العبادة:
"ليُخبروا بتسابيح الرب" أش 60: 6
هكذا يتضح أن مجد صهيون هو مجد رسالي تعبدي، لا إمبراطوري.
إشعياء 61: المسحة والخدمة لا السيادة
يُعد إشعياء 61 من أكثر النصوص المسيانية وضوحًا في هذا القسم:
"روح السيد الرب عليّ لأن الرب مسحني لأبشر المساكين" أش 61: 1
الرب يسوع نفسه يقرأ هذا النص بوصفه تحقيقًا حاضرًا، لا وعدًا سياسيًا مؤجَّلًا. مضمون المسحة هو البشارة، الشفاء، التحرير، والتعزية، لا استعادة مُلك أو سيادة قومية.
ثم يُعرَّف شعب الرب بهوية لافتة:
"وتسمون كهنة الرب" أش 61: 6
الدعوة هنا كهنوتية وخدمية، لا سلطوية. شعب الله يُعرَّف بوظيفته الوسيطية في إعلان البركة، لا بحكمه للأمم.
إشعياء 62: صهيون كعروس لا كدولة
في إشعياء 62 يستخدم النبي لغة زواجية حميمة:
"كما يفرح العريس بالعروس يفرح بك إلهك" أش 62: 5
هذه اللغة لا يمكن اختزالها إلى كيان سياسي. صهيون تُفهم كجماعة محبوبة ومُجدَّدة في علاقتها بالله، لا كدولة ذات حدود. والاسم الجديد الذي يُعطى لها يشير إلى هوية عهدية متجددة، لا إلى مشروع قومي مستقبلي.
إشعياء 63–64: الرجاء في الرحمة لا في التاريخ
يعود إشعياء هنا إلى صلاة اعتراف جماعية تُجرِّد الشعب من أي ادعاء استحقاق:
"لكننا جميعًا كنجس وكل أعمال برنا كثوب عدة" أش 64: 6
الرجاء لا يُعلَّق على وعود قومية غير مشروطة، بل على رحمة الله وحدها:
"وأنت يا رب أبونا نحن الطين وأنت جابلنا" أش 64: 8
هذا الاعتراف ينسف فكرة الامتياز القومي الدائم، ويعيد كل الرجاء إلى نعمة الله السيادية.
إشعياء 65–66: الخليقة الجديدة ونهاية التصور القومي
تبلغ الرؤية ذروتها في الإعلان الإسخاتولوجي الأعظم في السفر:
"لأني هأنذا خالق سماوات جديدة وأرضًا جديدة" أش 65: 17
النهاية ليست عودة إسرائيل إلى أرض قديمة، بل خلق واقع جديد كليًا. الرجاء يتحوّل من التاريخ إلى الخليقة الجديدة.
ثم يأتي الإعلان الصادم لأي قراءة إثنية حصرية:
"وأجعل منهم أيضًا كهنة ولاويين" أش 66: 21
الرب يختار من كل الأمم، لا من إسرائيل وحدها. الكهنوت نفسه يُنزَع من حصره القومي، ويُعاد تعريفه ضمن شعب موسَّع.
ويُختتم السفر برؤية شاملة للدينونة والخلاص:
"فيرون جثث الناس الذين عصوا عليّ" أش 66: 24
النهاية كونية، لا قومية. الجميع تحت الدينونة، والجميع مدعوون للخلاص.
الخلاصة النهائية لسفر إشعياء
يكشف سفر إشعياء، من بدايته إلى نهايته، مسارًا لاهوتيًا واضحًا لا يمكن تجاهله. إسرائيل تُفهم عهديًا لا إثنيًا، والخلاص يُعاد تعريفه في عبد الرب، وصهيون تتحوّل من مكان إلى جماعة، والأمم يصبحون شركاء لا ملحقين، والنهاية ليست مجدًا قوميًّا بل خليقة جديدة.
وبذلك، فإن استخدام إشعياء لتأسيس لاهوت قومي مستقبلي لإسرائيل لا يعكس حركة السفر الكلية، بل يقوم على قراءة انتقائية تتجاهل ذروته اللاهوتية. فإشعياء يقود القارئ بثبات من الأمة إلى العبد، ومن الأرض إلى الخليقة الجديدة، ومن الامتياز إلى النعمة.
يتبع المقالات القادمة!
كيفية توثيق المقال عند الاقتباس
في حال الاقتباس من هذا المقال أو الإحالة إليه في أبحاث أكاديمية أو كتابات علمية، يُرجى توثيقه وفق أحد أنماط التوثيق المعتمدة أكاديميًا، سواء بنظام الحواشي السفلية أو نظام المؤلف والتاريخ، مع الالتزام بذكر اسم الكاتب، وعنوان المقال كاملًا، واسم المشروع أو المنصة التي نُشر ضمنها، وتاريخ النشر، والرابط الإلكتروني إن وُجد. ويُعد الالتزام بالتوثيق الدقيق جزءًا من الأمانة العلمية واحترام الحقوق الفكرية، كما يضمن إمكانية تتبع الحُجّة في سياقها اللاهوتي والبحثي الصحيح.
مينا وجيه يوسف، "سفر إشعياء (7): إشعياء 56–66"، مقال لاهوتي، 1 يناير 2026.
























































Comments