المقال الثامن: سفر إشعياء (6): إشعياء 40–55
- مينا وجيه يوسف

- 12 hours ago
- 5 min read
الرجوع، عبد الرب، وإعادة تعريف الخلاص
بقلم: مينا وجيه يوسف

التحول اللاهوتي في إشعياء 40: من التاريخ إلى الخلاص
يمثّل إشعياء 40 نقطة انعطاف كبرى في بنية السفر ولاهوته. فبعد الإعلان الصادم عن السبي في إشعياء 39، لا ينتقل النبي إلى مخطط سياسي لاستعادة الأرض أو السيادة، بل يفتتح خطابًا جديدًا بالكامل، خطاب تعزية يحمل نبرة خلاصية عميقة:
"عزوا عزوا شعبي يقول إلهكم" أش 40: 1
التعزية هنا لا تُقدَّم بوصفها وعدًا بإعادة بناء كيان قومي، بل بوصفها مبادرة إلهية سيادية تهدف إلى تجديد العلاقة بين الله وشعبه. محور الخطاب لم يعد السؤال: كيف تعود إسرائيل إلى أرضها؟ بل: كيف يعود الله ليقيم وسط شعبه من جديد.
يتجلى هذا التحول بوضوح في الإعلان المركزي:
"صوت صارخ في البرية أعدوا طريق الرب قوموا في القفر سبيلًا لإلهنا" أش 40: 3
الطريق هنا ليس مجرد طريق رجوع من بابل إلى أورشليم، بل طريق مجيء الرب نفسه. وهذا ما يفسّره العهد الجديد صراحة حين يطبّق النص على خدمة يوحنا المعمدان، بوصفه إعدادًا لمجيء المسيح، لا لعودة سياسية قومية. الرجوع الحقيقي يبدأ بمجيء الله، لا بحركة شعب.
إشعياء 40: طبيعة الرجاء الجديد
يواصل إشعياء 40 تفكيك أي رجاء قائم على القوة أو الامتياز التاريخي، من خلال تقابل صارخ بين هشاشة الإنسان وثبات كلمة الله:
"كل جسد عشب وكل جماله كزهر الحقل" أش 40: 6
في مقابل هذا الزوال الشامل، يعلن النبي الأساس الجديد للرجاء:
"كلمة إلهنا تثبت إلى الأبد" أش 40: 8
الرجاء إذًا لا يقوم على دوام أمة أو دولة أو نظام سياسي، بل على أمانة الكلمة الإلهية. هذا المبدأ يقف في تعارض جذري مع أي قراءة تجعل الرجوع القومي محور التعزية، لأن التعزية هنا مؤسسة على الوعد الإلهي الثابت لا على الكيان التاريخي المتغيّر.
ثم يقدّم إشعياء صورة الرب بوصفه الراعي:
"كرعٍ يرعى قطيعه بذراعه يجمع الحملان وفي حضنه يحملها" أش 40: 11
الصورة رعوية وشخصية، لا إدارية أو سياسية. الشعب يُفهم كقطيع يحتاج إلى رعاية، لا كدولة تستعيد سيادتها. هكذا يُعاد تعريف العلاقة بين الله وشعبه في إطار خلاص شخصي وجماعي، لا في إطار مشروع قومي.
إشعياء 41–44: إسرائيل كعبد، والتمييز بين العبد الحقيقي والعبد الفاشل
في هذه الأصحاحات يظهر موضوع “عبد الرب” بوصفه المحور اللاهوتي المتنامي في القسم الثاني من السفر. في البداية، يُطلق اللقب على إسرائيل نفسها:
"وأنت يا إسرائيل عبدي يعقوب الذي اخترته نسل إبراهيم خليلي" أش 41: 8
غير أن هذا التوصيف سرعان ما يدخل في توتر داخلي حاد، إذ يُوصَف العبد في مواضع أخرى بالعمى والعجز:
"من هو أعمى إلا عبدي وأصم كرسولي الذي أرسلتُه" أش 42: 19
هذا التوتر لا يمكن تجاهله أو تسويته بسهولة، بل يكشف مشكلة لاهوتية جوهرية: إسرائيل دُعيت لتكون عبد الرب، لكنها فشلت في تحقيق دعوتها. ومن هنا يبدأ التحول التدريجي داخل النص نفسه نحو عبد آخر، يحقق ما عجزت عنه الأمة.
في إشعياء 43، يرتبط الرجوع بالخلاص لا بالجغرافيا:
"لا تذكروا الأوليات والقديمات لا تتأملوا بها" أش 43: 18
هذا الإعلان يصدم أي قراءة تدبيرية تتطلع إلى استعادة الماضي القومي، لأنه يدعو إلى عمل إلهي جديد يتجاوز الخروج الأول والعودة الأولى. الرجوع لم يعد تكرارًا للتاريخ، بل خلقًا جديدًا.
إشعياء 44–45: كورش أداة لا مركز الرجاء
يحتل كورش مكانة بارزة في النقاش التدبيري بوصفه محررًا تاريخيًا يمهّد للعودة من السبي. غير أن إشعياء يتعامل معه بمنهجية لاهوتية صارمة، تُنزِله من مركز الرجاء إلى موقع الأداة:
"القائل عن كورش راعي وكل مسرتي يتمم" أش 44: 28
كورش يُستخدم، لكنه لا يُمجَّد. ثم يضع النص الأساس اللاهوتي الحاكم:
"أنا الرب ولا آخر لا إله سواي" أش 45: 5
التركيز ليس على الملك الفارسي ولا على العودة السياسية، بل على وحدانية الرب وسيادته المطلقة على التاريخ. كورش ليس مخلصًا، بل خادم غير واعٍ لمقاصد الله. وهذا يمنع تحويل حدث الرجوع من السبي إلى ذروة إسخاتولوجية نهائية.
وتتسع الرؤية لتشمل الأمم بوضوح غير قابل للتأويل القومي:
"إليَّ تلتفتون فتخلصون يا جميع أقاصي الأرض" أش 45: 22
الخلاص هنا موجَّه إلى الجميع، بلا وسيط قومي، ما يهدم أي تصور يحصر الرجاء في إسرائيل وحدها.
إشعياء 49: عبد الرب، إسرائيل، والأمم
يبلغ موضوع عبد الرب ذروة تفسيرية في إشعياء 49، حيث يظهر التوتر بأوضح صوره:
"وقال لي أنت عبدي إسرائيل الذي به أتمجد" أش 49: 3
لكن النص لا يلبث أن يكشف المفارقة:
"والآن قال الرب جابلي من البطن عبدًا له ليرد يعقوب إليه" أش 49: 5
كيف يكون العبد هو إسرائيل، وفي الوقت نفسه مُرسَلًا ليرد إسرائيل؟ هذا التناقض لا يُحل قوميًا، بل مسيانيًا. العبد هنا شخص يمثل إسرائيل ويحقق دعوتها بالنيابة عنها.
ثم يأتي الإعلان الحاسم الذي يوسّع الدعوة منذ البداية:
"قد جعلتك نورًا للأمم لتكون خلاصي إلى أقصى الأرض" أش 49: 6
بهذا، يصبح إشعياء 49 حجر عثرة أمام أي فصل دائم بين إسرائيل والكنيسة، لأن دعوة العبد منذ نشأتها كونية، لا قومية.
إشعياء 50–52: طاعة العبد وآلامه
يتعمق إشعياء في وصف العبد بوصفه طائعًا متألمًا، لا قائدًا عسكريًا:
"بذلت ظهري للضاربين وخدي للناتفين وجهي لم أستر عن العار والبصق" أش 50: 6
الهوية الخلاصية للعبد تُبنى على الطاعة والألم، لا على القوة والسيادة. ثم تُخاطَب صهيون بدعوة للاستيقاظ:
"استيقظي استيقظي البسي ثوب جمالك يا صهيون ... المدينة المقدسة" أش 52: 1
غير أن هذا الجمال لا يُعرَّف سياسيًا، بل خلاصيًا، كما يتضح من طبيعة الخبر السار:
"ما أجمل على الجبال قدمي المبشر المخبر بالسلام... المخبر بالخلاص" أش 52: 7
السلام هنا هو خبر الخلاص الإلهي، لا نهاية صراع قومي أو بداية حكم جديد.
إشعياء 53: ذروة إعادة تعريف الخلاص
يشكّل إشعياء 53 الذروة اللاهوتية لهذا القسم، ويقدّم أقوى إعادة تعريف للخلاص في السفر كله:
"وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا تأديب سلامنا عليه وبحبره شفينا" أش 53: 5
الخلاص هنا فداء نيابي، لا تحرير سياسي. العبد لا يقهر أعداء إسرائيل، بل يحمل خطايا شعبه. وهذا التحول يغيّر طبيعة الرجاء من أساسها.
ويُختتم النص بإعلان شمولي:
"بمعرفته يبرر عبدي البار كثيرين وآثامهم هو يحملها" أش 53: 11
الخلاص يُمنح لكثيرين، لا لأمة واحدة، وبواسطة عبد واحد، لا بواسطة كيان قومي.
إشعياء 54–55: العهد الأبدي والدعوة المفتوحة
بعد الذبيحة، ينفتح أفق الرجاء:
"اهتفي أيتها العاقر التي لم تلد أشيدي بالترنم" أش 54: 1
صهيون تُصوَّر كجماعة متسعة، لا كدولة ذات حدود. ثم يُعلن العهد:
"عهدي معك لا يتزعزع" أش 54: 10
هذا عهد سلام، لا عهد أرض أو سيادة.
ويُختتم القسم بدعوة مفتوحة شاملة:
"أيها العطاش جميعًا هلموا إلى المياه" أش 55: 1
الدعوة موجَّهة للجميع بلا تمييز، ما يؤكد أن الرجوع الحقيقي هو رجوع إلى الرب عبر العبد المتألم، لا رجوعًا قوميًّا إلى أرض.
خلاصة إشعياء 40–55
يكشف هذا القسم من سفر إشعياء أن الرجوع من السبي ليس غاية في ذاته، بل مدخل لإعادة تعريف أعمق للخلاص. الخلاص يُفهم فدائيًا لا سياسيًا، وعبد الرب هو المحور التفسيري لكل النبوة، والأمم جزء أصيل من قصد الله منذ البداية. وأي قراءة قومية تحاول اختزال هذا القسم في مخطط سياسي مستقبلي تُفرغ النص من ذروته المسيانية، وتتجاهل قلب الرسالة النبوية التي تتمحور حول العبد والخلاص.
يتبع المقالات القادمة!
كيفية توثيق المقال عند الاقتباس
في حال الاقتباس من هذا المقال أو الإحالة إليه في أبحاث أكاديمية أو كتابات علمية، يُرجى توثيقه وفق أحد أنماط التوثيق المعتمدة أكاديميًا، سواء بنظام الحواشي السفلية أو نظام المؤلف والتاريخ، مع الالتزام بذكر اسم الكاتب، وعنوان المقال كاملًا، واسم المشروع أو المنصة التي نُشر ضمنها، وتاريخ النشر، والرابط الإلكتروني إن وُجد. ويُعد الالتزام بالتوثيق الدقيق جزءًا من الأمانة العلمية واحترام الحقوق الفكرية، كما يضمن إمكانية تتبع الحُجّة في سياقها اللاهوتي والبحثي الصحيح.
مينا وجيه يوسف، "سفر إشعياء (6): إشعياء 40–55"، مقال لاهوتي، 30 ديسمبر 2025.
























































Comments