المقال الثاني عشر- سفر إرميا (1) - إر 1–6: الدعوة النبوية، انهيار الرموز، وبداية تفكيك اللاهوت القومي
- مينا وجيه يوسف

- 2 days ago
- 4 min read

بقلم: مينا وجيه يوسف.
المدخل التاريخي واللاهوتي لسفر إرميا
يمثّل سفر إرميا لحظة فاصلة في تاريخ النبوة العبرية، إذ ينتقل الخطاب النبوي من التحذير من السقوط إلى تفسير السقوط نفسه بوصفه نتيجة حتمية لفشل عهدي متراكم. لم يعد السؤال المطروح هو: ماذا سيحدث إن استمر العصيان؟ بل: لماذا حدث ما حدث فعلًا؟ ولماذا لم تعد الرموز التي طالما شكّلت أساس الهوية القومية قادرة على حماية الشعب؟
يخاطب إرميا شعبًا لا يعيش فقط تحت تهديد خارجي، بل داخل وهم أمان ديني عميق، يتكئ على الأرض، والهيكل، والمدينة، بوصفها ضمانات غير قابلة للنقض. هذه الرموز، التي كانت في الماضي علامات حضور الله، تحوّلت الآن إلى بدائل عن الطاعة، وإلى أدوات لتسكين الضمير بدلًا من تجديد القلب.
زمنيًا، يبدأ إرميا خدمته في أيام يوشيا، في لحظة إصلاح ديني ظاهري، أعاد بعض الممارسات والطقوس، لكنه لم يُنتج تجديدًا قلبيًا حقيقيًا. هذا السياق بالغ الأهمية، لأن الخطاب النبوي لا يواجه وثنية صريحة فحسب، بل يواجه تقوى قومية شكلية، تُحوِّل العهد إلى هوية، والعبادة إلى طقس، والاختيار إلى امتياز. ومن هنا، فإن إرميا لا يكمّل إشعياء من حيث المحتوى فقط، بل من حيث الوظيفة اللاهوتية، إذ إن إشعياء أعاد تعريف الرجاء، بينما إرميا سيُظهر لماذا صار هذا الرجاء مستحيلًا داخل الإطار القومي القديم.
إر 1: دعوة النبي وسقوط وهم الاستمرارية
تبدأ رسالة إرميا بدعوة نبوية ذات طابع لاهوتي حاسم، تقطع منذ البداية مع أي تصور عن استمرارية قومية تلقائية:
"قبلما صورتك في البطن عرفتك وقبلما خرجت من الرحم قدستك جعلتك نبيًا للأمم" إر 1: 5
هذه الدعوة لا تكتفي بتأكيد سيادة الله على حياة النبي، بل تكسر الإطار القومي المغلق للنبوة. إرميا لا يُعيَّن نبيًا لإسرائيل وحدها، بل “للأمم”، ما يعني أن الأزمة التي يعالجها ليست محلية، وأن رسالة الله تتجاوز حدود الشعب المختار، بل تُخاطب النظام العالمي كله.
ثم يُعلن مضمون الرسالة منذ البداية، بلا مواربة:
"انظر قد وكلتك هذا اليوم على الشعوب وعلى الممالك لتقلع وتهدم وتهلك وتنقض وتبني وتغرس" إر 1: 10
الترتيب هنا ليس عشوائيًا. أربع أفعال هدم تسبق فعلين للبناء. هذا ليس أسلوبًا بلاغيًا، بل إعلان لاهوتي حاسم: لا بناء قبل هدم، ولا غرس قبل اقتلاع. وهو المبدأ الذي سيحكم السفر كله. الكلمة الإلهية لا تأتي لترميم نموذج فاسد، بل لتفكيكه أولًا.
الرؤيتان الافتتاحيتان، قضيب اللوز والقدر المنفوخة من الشمال، تؤكدان أن الكلمة في طريقها للتحقق، وأن الدينونة آتية لا محالة. لا يظهر في هذا السياق أي وعد بحماية قومية، ولا أي استثناء جغرافي. البداية نفسها تنسف وهم الاستمرارية.
إر 2: الخيانة العهدية لا الأزمة السياسية
في إرميا 2، يُعاد تفسير تاريخ إسرائيل كله من منظور عهدي، لا سياسي:
"قد ذكرت لك غيرة صباك محبة خطبتك ذهابك ورائي في البرية" إر 2: 2
البداية لم تكن أرضًا ولا ملكًا ولا هيكلًا، بل علاقة. العهد بدأ بمحبة واتباع، لا بامتياز قومي. لكن المشكلة الجوهرية التي يعلنها النبي ليست الغزو ولا الضعف العسكري، بل الخيانة:
"تركوني أنا ينبوع المياه الحية لينقروا لأنفسهم آبارًا آبارًا مشققة لا تضبط ماء" إر 2: 13
بهذا الإعلان، تُسقِط النبوة أي قراءة سياسية للأزمة. المشكلة ليست في فقدان الأرض، بل في فقدان الله. ومن ثم، فإن أي حل يركّز على استعادة الجغرافيا دون استعادة العلاقة هو حل زائف من الأساس. هذا النص يقف حجر عثرة أمام أي لاهوت يجعل الرجوع الجغرافي محور الرجاء، لأن إرميا يعلن أن الجغرافيا نفسها صارت جزءًا من المشكلة، لا من الحل.
إر 3: العودة المشروطة ونقض الرجوع التلقائي
يحتوي إرميا 3 على أحد أكثر نصوص “العودة” استخدامًا في القراءة التدبيرية:
"ارجعي أيتها المرتدة إسرائيل يقول الرب" إر 3: 12
غير أن القراءة المتأنية للنص تكشف أن هذه العودة ليست قومية ولا تلقائية، بل أخلاقية وعهدية في جوهرها:
"اعرفي إثمك أنك إلى الرب إلهك أذنبت" إر 3: 13
العودة هنا ليست حركة جغرافية، بل اعتراف وتوبة. ثم يأتي الإعلان اللاهوتي الأكثر صدمة في هذا الإصحاح:
"ولا يقولون بعد تابوت عهد الرب ولا يخطر على بال ولا يُذكر" إر 3: 16
هذا الإعلان ينزع مركزية أعظم رمز ديني قومي في تاريخ إسرائيل. فإذا كان تابوت العهد نفسه سيفقد وظيفته الرمزية، فكيف يمكن الدفاع عن تصور رجوع قومي تُستعاد فيه الرموز القديمة كما هي؟ ثم يتوسع النص ليعيد تعريف هوية الشعب:
"وفي ذلك الزمان يدعون أورشليم كرسي الرب ويجتمع إليها كل الأمم" إر 3: 17
الاجتماع لم يعد حكرًا على إسرائيل، بل للأمم، ما يعيد تشكيل مفهوم الشعب حول حضور الرب لا حول النسب أو الأرض.
إر 4–5: اقتراب الدينونة وسقوط وهم الإصلاح
في إرميا 4، يقترب خطاب الدينونة من ذروته، ويُعاد توجيه مفهوم الرجوع:
"إن رجعت يا إسرائيل يقول الرب فإليَّ ترجع" إر 4: 1
الرجوع ليس إلى الأرض ولا إلى المدينة، بل إلى الرب نفسه. ثم تُوصَف الكارثة القادمة بلغة تتجاوز السياسة إلى تفكك الخليقة:
"نظرت إلى الأرض وإذا هي خربة وخالية وإلى السماوات فلا نور لها" إر 4: 23
اللغة هنا كونية، لا قومية، ما يؤكد أن الأزمة لاهوتية في جوهرها. في إرميا 5، يفضح النبي وهم الإصلاح الديني:
"طوفوا في شوارع أورشليم وانظروا واعرفوا واطلبوا في ساحاتها إن وجدتم إنسانًا إن كان يوجد عامل بالعدل" إر 5: 1
حتى المدينة المقدسة تعجز عن تقديم شاهد واحد يبرر استمرارها. وهذا ينسف أي تصور عن قداسة المكان بمعزل عن البر.
إر 6: نهاية الطريق القومي
يُختتم هذا القسم بإعلان يكشف انسداد الأفق داخل النموذج القديم:
"قفوا على الطرق وانظروا واسألوا عن السبل القديمة أين هو الطريق الصالح" إر 6: 16
لكن الرد يأتي مأساويًا:
"فقالوا لا نسلك فيها" إر 6: 16
رفض الشعب لطريق الطاعة يعلن نهاية صلاحية النموذج القومي الديني. لم يعد السؤال: هل ستقوم الأمة؟ بل: هل يمكن إنقاذها دون تغيير جذري في طبيعة العهد نفسه؟
الخلاصة اللاهوتية لإر 1–6
يؤسس هذا القسم من سفر إرميا مجموعة من المبادئ اللاهوتية الحاكمة. النبوة موجّهة للأمم بقدر ما هي موجّهة لإسرائيل. الهدم يسبق البناء في خطة الله. الأزمة هي خيانة عهدية لا فقدان أرض. العودة مشروطة بالتوبة لا بالهوية. الرموز القومية، الأرض والتابوت والمدينة، فقدت قدرتها الخلاصية. ولا يوجد رجاء حقيقي داخل الإطار القديم دون تجديد جذري.
بهذا، يضع إرميا الأساس اللاهوتي الذي سيقود حتميًا إلى إعلان العهد الجديد لاحقًا، لا بوصفه تحسينًا للعهد القديم، بل ضرورة خلاصية، لأن النموذج القومي الديني قد استنفد كل إمكاناته.
يتبع في المقالات القادمة!
كيفية توثيق المقال عند الاقتباس
في حال الاقتباس من هذا المقال أو الإحالة إليه في أبحاث أكاديمية أو كتابات علمية، يُرجى توثيقه وفق أحد أنماط التوثيق المعتمدة أكاديميًا، سواء بنظام الحواشي السفلية أو نظام المؤلف والتاريخ، مع الالتزام بذكر اسم الكاتب، وعنوان المقال كاملًا، واسم المشروع أو المنصة التي نُشر ضمنها، وتاريخ النشر، والرابط الإلكتروني إن وُجد. ويُعد الالتزام بالتوثيق الدقيق جزءًا من الأمانة العلمية واحترام الحقوق الفكرية، كما يضمن إمكانية تتبع الحُجّة في سياقها اللاهوتي والبحثي الصحيح.
مينا وجيه يوسف، "إر 1–6: الدعوة النبوية، انهيار الرموز، وبداية تفكيك اللاهوت القومي"، مقال لاهوتي، 5 يناير 2026.























































Comments