مقال افتتاحي: نبوات إسرائيل في الأنبياء وتفسير العهد الجديد: قراءة عهديّة واحدة بدل الثنائية التدبيرية
- مينا وجيه يوسف

- Dec 20
- 5 min read
Updated: Dec 22

بقلم : مينا وجيه يوسف
السؤال الذي يشغل أذهان الكثيرين اليوم هو:
كيف ينبغي أن نفهم نبوات إسرائيل في أسفار الأنبياء، والعهد الجديد وسفر الرؤيا، بصورة كتابية تحفظ وحدة الإعلان الخلاصي دون السقوط في ثنائية تفصل بين إسرائيل والكنيسة، مع الإقرار بإمكانية خلاص اليهود بحسب رومية 11 ولكن من خلال المسيح وحده وليس من خلال مشروع قومي مستقل؟
هذا المقال ينطلق من قناعة لاهوتية واضحة، وهي أن إسرائيل في النبوة لا تُفهم إلا داخل قصة الفداء الكبرى التي تبلغ ذروتها في المسيح، وأن الكنيسة، المكوّنة من اليهود والأمم المؤمنين، ليست بديلًا قوميًا لإسرائيل، لكنها هي امتداد الشعب العهدي الذي حقّق المسيح كل وعود الله نحوه. أما القراءات التي تفصل بين إسرائيل كوعد قومي مستقبلي وبين المسيح كتحقيق للنبوة، فهي قراءات تُفتّت وحدة الإعلان الكتابي وتضع النبوة خارج الإنجيل
أولًا: الإعلان الكتابي ليس مجزّأً بل تقدمي عضوي
الكتاب المقدس لا يقدّم خطة لله عبر مسارات موازية، بل عبر قصة فداء واحدة تتقدم عضويًا عبر العهدين. هذه هي الرؤية التي يؤكدها اللاهوت الكتابي منذ جيرهاردوس فوس وحتى جريسن جولدسوورذي، حيث يرون أن النبوة لا يمكن أن تُقرأ بمعزل عن اكتمالها في المسيح.
ثانيًا: الأنبياء أنفسهم أعادوا تعريف إسرائيل لاهوتيًا لا قوميًا
اللافت أن أسفار الأنبياء ذاتها لا تقدّم إسرائيل ككيان قومي مضمون المصير، بل كشعب عهد مرتبط بالطاعة والمعرفة وعبادة الرب. لذلك يعيد الأنبياء تعريف هوية إسرائيل حول:
• مفهوم البقية (إشعياء 10)• الشعب الطائع الذي له قلب جديد وروح جديد (حزقيال 36)• العهد الجديد المرتبط بمعرفة الرب لا بإعادة دولة سياسية (إرميا 31)• إمكانية أن تُدعى إسرائيل “لا شعبي” لأن العهد ليس آليًا (هوشع 1)
أي أن الأنبياء أنفسهم لا يعدون بإسرائيل كما هي. بل بإسرائيل كما ينبغي أن تكون روحيًا.
ثالثًا: أزمة القراءة التدبيرية
اللاهوت التدبيري الحديث يفترض هذه القضايا مسبقًا:
1. أن الوعود القومية لا تُعاد قراءتها لاهوتيًا
2. أن العهد الجديد لا يفسر النبوات بل يضيف عليها فقط
3. أن الكنيسة فترة مؤقتة لا علاقة لها بتحقيق وعود إسرائيل
لكن هذه الافتراضات ليست منصوصًا عليها كتابيًا، بل هي إطار منهجي مفروض على النصوص. ولهذا ينتقد كثير من الدارسين هذا النهج باعتباره غير منسجم مع طريقة العهد الجديد في قراءة الأنبياء.
رابعًا: العهد الجديد هو القراءة النبوية السلطوية للعهد القديم
العهد الجديد لا ينتظر تحقيقًا قوميًّا منفصلًا، بل يعلن أن:• الوعود بدأت تتحقق بالفعل• المسيح هو العبد، الملك، الهيكل، الأرض، البركة• الكنيسة هي جماعة العهد في الأيام الأخيرة
متى يقرأ إشعياء كمتحقق في شخص المسيح.بطرس يعلن في أعمال 2 أن وعود الأنبياء بدأت تتحقق في الكنيسة.بولس يعيد تعريف نسل إبراهيم بأنه “الذين هم من الإيمان” (غلاطية 3).
خامسًا: رومية 9–11 … زيتونة واحدة لا مشروعين
بولس في رومية 9–11 لا يناقش مستقبل دولة سياسية، بل يناقش:
• أمانة الله لوعوده• أزمة رفض اليهود للمسيح• إدخال الأمم• الرجاء في خلاص اليهود بالإيمان
حين يقول “وهكذا سيخلص جميع إسرائيل” فهو لا يعني كيانًا سياسيًا مستقلًا، بل يشير إلى امتلاء شعب الله عبر الزيتونة الواحدة حيث التطعيم يتم فقط بالإيمان. أي أن الرجاء المتبقي لليهود ليس دولة بل الرجوع إلى المسيح.
سادسًا: سفر الرؤيا … خاتمة قصة الفداء لا وثيقة سياسية
سفر الرؤيا لا يقدم مشروعًا قوميًّا لإسرائيل بل:• يعيد استخدام رموز الأنبياء بطريقة مسيانية• يذيب الحدود القومية داخل هوية شعب الله الواحد• يقدم أورشليم الجديدة باعتبارها هوية شعب الله النهائي، لا دولة قومية.
النتيجة اللاهوتية
الخلاصة التي تقودنا إليها شهادة الأنبياء والرسل وسفر الرؤيا هي:
النبوة الكتابية لا تنتظر رجوع إسرائيل إلى أرض، بل تنتظر رجوع إسرائيل إلى المسيح.وكل لاهوت يفصل بين تحقيق النبوة والمسيح، أو يحوّل سفر الرؤيا إلى مشروع جيوسياسي، هو لاهوت يفقد مركز الإنجيل وينقسم على وحدة الإعلان الخلاصي.
إن الرجاء الحقيقي لإسرائيل … هو ذات الرجاء للعالم كله:المسيح، والاندماج في شعب الله الواحد عبر الإيمان.
المقدّمة
تمثّل نبوات أسفار الأنبياء محورًا مركزيًا في الجدل اللاهوتي المعاصر حول إسرائيل، ولا سيما في النقاش الدائر بين المنظور العهدي والمنظور التدبيري. وقد اكتسب هذا الجدل زخمًا متزايدًا في القرنين الأخيرين، ليس فقط لأسباب تفسيرية، بل أيضًا بسبب تداخل القراءات اللاهوتية مع تطورات سياسية وتاريخية حديثة، ما أدى في كثير من الأحيان إلى خلط غير منضبط بين النص الكتابي، والتاريخ الخلاصي، والواقع الجيوسياسي المعاصر.
تنطلق هذه الدراسة من قناعة أساسية مفادها أن أسفار الأنبياء لا يمكن قراءتها قراءة صحيحة إلا ضمن الإطار الكلي للإعلان الكتابي، بوصفه إعلانًا تقدّميًا متماسكًا يبلغ ذروته في شخص المسيح وعمله. ومن ثمّ، فإن أي محاولة لفهم نبوات إسرائيل بمعزل عن تفسير العهد الجديد لها، أو عبر فصل مقصود بين إسرائيل والكنيسة بوصفهما شعبين ذوي مسارين خلاصيَّين مستقلَّين، تمثّل خللًا هرمنيوطيقيًا جوهريًا، مهما بدت هذه المحاولة متماسكة ظاهريًا أو مدعومة بقراءة حرفية لبعض النصوص.
في المقابل، لا تسعى هذه الدراسة إلى تبنّي موقف إلغائي عدائي تجاه إسرائيل، ولا إلى إنكار البعد التاريخي أو القومي لبعض النبوات، ولا إلى الادعاء بأن الكتاب المقدس يحرّم من حيث المبدأ قيام كيان سياسي لليهود في التاريخ. بل تهدف إلى التمييز الصارم بين الإمكانية التاريخية والشرعية اللاهوتية، وبين الوقائع السياسية والوعود النبوية، وبين الرجاء الخلاصي الذي يتحدث عنه الكتاب المقدس، وأي إسقاطات لاحقة على النص تتجاوز مقاصده الأصلية.
إن اللاهوت التدبيري، في صِيَغه الكلاسيكية والمعاصرة، يعتمد اعتمادًا كبيرًا على أسفار الأنبياء، وبخاصة إشعياء، إرميا، حزقيال، وزكريا، لإثبات فكرة الرجوع القومي النهائي لإسرائيل إلى الأرض، واستعادة السيادة السياسية، وبناء الهيكل، وعودة العبادة الذبائحية، وذلك بوصفه تحقيقًا حرفيًا غير منقول لنبوات العهد القديم. غير أن هذه القراءة تفترض مسبقًا ثبات معنى النبوة بمعزل عن إعادة تفسيرها الرسولية، كما تفترض أن مجيء المسيح لم يُحدث تحوّلًا جذريًا في طبيعة الوعد، بل أوقفه مؤقتًا إلى حين استئناف الخطة الخاصة بإسرائيل.
تسعى هذه الدراسة إلى فحص هذه الافتراضات فحصًا نقديًا من داخل النص الكتابي نفسه، وبالتركيز على ثلاثة محاور مترابطة. أولًا، تحليل كيفية حديث الأنبياء عن إسرائيل، والأرض، والرجوع، والبقية، والهيكل، والملكوت، مع الانتباه إلى الشروط الأخلاقية والعهدية الملازمة لهذه النبوات. ثانيًا، تتبّع الطريقة التي استخدم بها العهد الجديد هذه النصوص النبوية، لا سيما في الأناجيل، وأعمال الرسل، ورسائل بولس، لإثبات أن تحقيق الوعود قد بدأ فعليًا في المسيح، وأن شعب الله قد أُعيد تعريفه حول الإيمان لا النسب. ثالثًا، دراسة سفر الرؤيا بوصفه الذروة النبوية القانونية، لا باعتباره كتاب خرائط مستقبلية، بل رؤية لاهوتية إسخاتولوجية تعيد صياغة رموز الأنبياء في إطار كوني ومسياني.
وسيتم في هذا السياق التعامل مع أهم النصوص التي يستند إليها اللاهوت التدبيري نصًا نصًا، وبحسب ترتيب أسفار الأنبياء، بدءًا بسفر إشعياء، مع تقديم قراءة عهدية تفسيرية، ثم مقارنة مباشرة مع التفسير التدبيري السائد، وبيان نقاط القوة والضعف في كل قراءة. وستُستخدم النصوص الكتابية من ترجمة فاندايك حصريًا، مع توثيق الشواهد بصيغتها المختصرة مثل أش ٥: ١٠، دون إحالات إلكترونية داخل المتن، التزامًا بالطابع الأكاديمي للدراسة.
من الناحية المنهجية، تعتمد هذه الدراسة على اللاهوت الكتابي القانوني، وتستأنس بأعمال عدد من الباحثين المُصلَحين والمعاصرين، مثل جيرهاردوس فوس، وجي. كاي. بيل، وريتشارد لونجنيكر، وأنتوني هوكِما، وجون موراي، مع الاستفادة النقدية من الأدبيات التدبيرية الكلاسيكية، ولا سيما أعمال سكوفيل، وتشايغرِس، ووالفورد، وذلك بهدف عرض الموقف التدبيري بأمانة قبل نقده.
وعليه، لا تهدف هذه الدراسة إلى حسم جدل سياسي، ولا إلى تبرير أو إدانة دولة بعينها، بل إلى تقديم قراءة كتابية متماسكة لنبوات إسرائيل، تحافظ على أمانة الله لوعوده، وعلى مركزية المسيح، وعلى وحدة شعب الله، دون الوقوع في الفصل الثنائي أو التقديس القومي أو الإلغاء اللاهوتي.
بعد هذه المقدّمة، ستبدأ الدراسة بسفر إشعياء، بوصفه السفر النبوي الأكثر تأثيرًا في اللاهوت التدبيري، والأكثر استخدامًا في بناء تصورات الرجوع القومي والأمجاد المستقبلية لإسرائيل، مع تحليل شامل للنصوص المحورية التي يدور حولها هذا الجدل.
تابعوا الأيام القادمة هذه السلسلة المثيرة
























































Comments