المقال العاشر: فصل تمهيدي نقدي، اعتراضات القارئ التدبيري على قراءة إشعياء العهدية والرد عليها من داخل السفر نفسه
- مينا وجيه يوسف

- 4 days ago
- 4 min read

بقلم مينا وجيه يوسف
تمهيد منهجي
قبل الانتقال إلى سفر إرميا، من الضروري الوقوف عند اعتراض جوهري يطرحه القارئ التدبيري بإنصاف علمي، اعتراض لا يمكن تجاهله أو تسطيحه أو الاكتفاء برفضه من منطلق لاهوتي مسبق. فالقارئ التدبيري لا يستند فقط إلى منظومة تفسيرية مغلقة، بل إلى نصوص نبوية تبدو للوهلة الأولى مباشرة، قوية لغويًا، وتتكلم عن رجوع شامل، وقيام أمة فجأة، وجمع الشعب من كل أطراف الأرض، وخضوع الأمم.
ومن ثم، فإن السؤال النقدي الحقيقي ليس: هل توجد مثل هذه النصوص في سفر إشعياء؟ فهذا أمر لا خلاف عليه. بل السؤال الأعمق هو: هل تسمح هذه النصوص نفسها بقراءة قومية نهائية منفصلة عن الخلاص العهدي، أم أن إشعياء يفرض إطارًا أدبيًا ولاهوتيًا أوسع يقيّد هذا الفهم ويعيد توجيهه؟
ينطلق هذا الفصل من فرضية منهجية واضحة، وهي أن السفر نفسه يجب أن يكون الحكم الأول على كيفية قراءة نصوصه، وأن أي تفسير لا ينسجم مع البنية اللاهوتية الكلية لإشعياء يقع بالضرورة في قراءة انتقائية، مهما بدت بعض نصوصه قوية في ظاهرها.
عرض الاعتراض التدبيري بأمانة علمية
اعتراض "قيام الأمة في يوم واحد"
من أقوى النصوص التي يستند إليها القارئ التدبيري قول النبي:
"هل تمخض بلاد في يوم واحد أو تولد أمة دفعة واحدة" أش 66: 8
يُفهم هذا النص على أنه إعلان نبوي عن قيام إسرائيل كأمة في لحظة تاريخية واحدة، لا عبر مسار تدريجي، وغالبًا ما يُربط إما بقيام دولة إسرائيل الحديثة، أو بقيام قومي إسخاتولوجي مستقبلي مفاجئ. ويُطرح الاعتراض بصيغة حادة: كيف يمكن تفسير هذا النص تفسيرًا غير حرفي بينما لغته مباشرة وتتحدث صراحة عن أمة تولد دفعة واحدة؟
اعتراض "جمع الشعب من كل مكان"
يُضاف إلى ذلك عدد من النصوص التي تتكلم عن جمع شامل:
"وأجمع من الأمم وألسنتهم فيأتون وينظرون مجدي" أش 66: 18
"ويحملون كل إخوتكم من كل الأمم تقدمة للرب إلى جبل قدسي" أش 66: 20
"فيكون في ذلك اليوم أنه يُضرب من نهر إلى وادي مصر وأنتم تُلقطون واحدًا واحدًا" أش 27: 12
وتُستخدم هذه النصوص لإثبات رجوع جغرافي حرفي شامل من كل أصقاع الأرض إلى مركز قومي واحد يُفهم عادة على أنه أرض إسرائيل.
اعتراض "الأمم تخدم إسرائيل"
ثم تُضاف نصوص المجد التي تتكلم عن مجيء الأمم:
"وتسير الأمم في نورك والملوك في ضياء إشراقك" أش 60: 3
"وتكون ثروة الأمم لك" أش 60: 5
ويُفهم هذا المجيء على أنه خضوع أممي لإسرائيل القومية، ما يعزّز تصور التفوق القومي المستقبلي.
هذه مجمل الأدلة التي يرى القارئ التدبيري أنها قوية لغويًا، صريحة دلاليًا، ويصعب تجاوزها دون ليّ عنق النص.
الرد العهدي من داخل سفر إشعياء نفسه
هل "قيام الأمة في يوم" لغة سياسية أم ولادية خلاصية؟
السؤال التفسيري الحاسم هنا ليس: هل اللغة حرفية أم لا؟ بل: ما نوع الحرفية التي يستخدمها إشعياء؟
سفر إشعياء يستخدم باستمرار لغة ولادية وأنثروبولوجية للتعبير عن التدخل الإلهي المفاجئ، لا عن نشوء كيانات سياسية. والسياق المباشر للنص نفسه يفرض هذا الاتجاه:
"قبل أن تتمخض ولدت قبل أن يأتيها الطلق ولدت ذكرًا" أش 66: 7
اللغة هنا ليست لغة سيادة أو دستور، بل لغة أمومة، مخاض، وولادة. ثم يكمّل النص الصورة ذاتها:
"أفرحوا مع أورشليم وابتهجوا بها" أش 66: 10
أورشليم تُصوَّر كأم، لا كعاصمة سياسية. والنتيجة النهائية للولادة ليست سلطة، بل علاقة:
"لكي ترضعوا وتشبعوا من ثدي تعزيتها" أش 66: 11
النتيجة هي تعزية وشبع، لا قيام دولة. ولهذا يلاحظ John Goldingay أن إشعياء يستخدم صورة الولادة المفاجئة للتعبير عن فعل خلاصي إلهي غير متوقَّع، لا عن حدث قومي مؤسسي.
"جمع الشعب من كل مكان": لماذا "واحدًا واحدًا"؟
النص الذي يُستَخدم لإثبات الجمع القومي يقول:
"وأنتم تُلقطون واحدًا واحدًا" أش 27: 12
لو كان المقصود حشدًا قوميًّا جماعيًا، لكانت هذه العبارة غير منطقية. “واحدًا واحدًا” لغة اختيار شخصي عهدي، لا لغة تجميع قومي. ثم إن نهاية السفر تعيد تعريف هذا الجمع بطريقة لا يمكن التوفيق بينها وبين القراءة القومية:
"وأجعل منهم أيضًا كهنة ولاويين" أش 66: 21
الكهنوت واللاوية، في منطق العهد القديم، لا يمكن توسيعهما حرفيًا ليشملا الأمم دون انهيار البنية القومية نفسها. ومع ذلك، إشعياء يفعل هذا بلا تردد. ولهذا يعلّق Brevard Childs بأن إشعياء 66 يعيد تشكيل مفهوم الشعب المختار على أساس دعوة كهنوتية جامعة، لا على أساس النسب.
الأمم وإسرائيل: خدمة أم مشاركة؟
النصوص التي تتكلم عن مجيء الأمم لا تقول إنهم يخضعون لإسرائيل سياسيًا، بل إنهم يأتون إلى نور الرب:
"وتسير الأمم في نورك" أش 60: 3
النور ليس إسرائيل كأمة، بل مجد الرب الساكن فيها. ويُحدِّد النص نفسه غاية هذا المجيء:
"ليخبروا بتسابيح الرب" أش 60: 6
الغاية عبادة وتسبيح، لا خضوع سياسي. ثم يحسم إشعياء الأمر في نص لا يمكن تجاوزه:
"مبارك شعبي مصر وعمل يدي أشور وميراثي إسرائيل" أش 19: 25
هنا لا توجد هرمية قومية، بل شراكة عهدية. مصر وأشور لا تُختزلان إلى خدام لإسرائيل، بل يُدعَيان “شعبي” و“عمل يدي”، ما يجعل أي تصور تفوق قومي مستقبلي متناقضًا مع لاهوت السفر نفسه.
المشكلة المنهجية في الاعتراض التدبيري
تكمن المشكلة الأساسية لا في قوة النصوص، بل في المنهج الانتقائي المستخدم في قراءتها. إذ يتم:
أخذ نصوص المجد حرفيًا
وتجاهل نصوص إعادة تعريف الشعب
وإسكات نصوص العبد، والبقية، والاتساع الأممي
وفصل نهاية إشعياء عن ذروته اللاهوتية في إشعياء 53
لكن إشعياء نفسه لا يسمح بهذا الفصل. فالعبد المتألم هو محور الخلاص، وصهيون لا تُفهم خارجه، والمجد لا يُفصل عن الفداء، ولا النهاية عن الخليقة الجديدة.
خلاصة الفصل
يمكن تلخيص الرد في النقاط التالية:
أولًا، النصوص التي يستند إليها القارئ التدبيري قوية لغويًا، لكنها ليست قومية في نوعها الأدبي.ثانيًا، إشعياء يستخدم لغة الولادة، التعزية، والنور، لا لغة السيادة السياسية.ثالثًا، الجمع يتم “واحدًا واحدًا” لا ككتلة قومية.رابعًا، الأمم لا تخدم إسرائيل بل تشاركها في شعب الله.خامسًا، إشعياء نفسه يعيد تعريف إسرائيل في نهاية السفر بطريقة تمنع القراءة القومية النهائية.
وبذلك، لا يتم رفض النصوص التي يطرحها القارئ التدبيري، بل توضع داخل الإطار اللاهوتي الذي يفرضه سفر إشعياء نفسه، إطار لا يسمح بفصل خطة إسرائيل عن خطة الخلاص في العبد، ولا المجد عن الصليب، ولا الرجاء عن الخليقة الجديدة.
يتبع في المقالات القادمة!
كيفية توثيق المقال عند الاقتباس
في حال الاقتباس من هذا المقال أو الإحالة إليه في أبحاث أكاديمية أو كتابات علمية، يُرجى توثيقه وفق أحد أنماط التوثيق المعتمدة أكاديميًا، سواء بنظام الحواشي السفلية أو نظام المؤلف والتاريخ، مع الالتزام بذكر اسم الكاتب، وعنوان المقال كاملًا، واسم المشروع أو المنصة التي نُشر ضمنها، وتاريخ النشر، والرابط الإلكتروني إن وُجد. ويُعد الالتزام بالتوثيق الدقيق جزءًا من الأمانة العلمية واحترام الحقوق الفكرية، كما يضمن إمكانية تتبع الحُجّة في سياقها اللاهوتي والبحثي الصحيح.
مينا وجيه يوسف، "اعتراضات القارئ التدبيري على قراءة إشعياء العهدية والرد عليها من داخل السفر نفسه"، مقال لاهوتي، 2 يناير 2026.
























































Comments