top of page
1/3

المقال السادس: سفر إشعياء (4): إشعياء 28–35

ree

صهيون، العهد الكاذب، والطريق المقدس بين الوعد والتحقق

بقلم: مينا وجيه يوسف


إشعياء 28: العهد الكاذب ونقض الضمان السياسي

يفتتح إشعياء هذا القسم بتوبيخ شديد لقادة إسرائيل ويهوذا، توبيخ لا يقتصر على ضعف الإيمان الشخصي، بل يكشف خللًا بنيويًا في فهمهم للأمان والخلاص. فالمشكلة ليست مجرد خطية فردية، بل تبنّي منطق سياسي بديل عن الاتكال على الرب. يقول النبي:

"لأنكم قلتم قد عقدنا عهدًا مع الموت وصنعنا ميثاقًا مع الهاوية" إش 28: 15

هذا “العهد” ليس عهدًا لاهوتيًا، بل تحالف سياسي يُراد به تأمين المستقبل عبر القوة والدهاء، لا عبر الثقة في الرب. وهنا يفضح إشعياء وهم الضمان القومي، أي الاعتقاد بأن البقاء يمكن ضمانه بوسائل سياسية مستقلة عن الأمانة العهدية.

في مقابل هذا العهد الزائف، يعلن إشعياء الأساس الحقيقي الذي يقيمه الله بنفسه:

"هأنذا أؤسس في صهيون حجرًا حجر امتحان حجر زاوية كريم أساسًا مؤسسًا من آمن لا يهرب" إش 28: 16

هذا النص يحتل مكانة محورية في اللاهوت الكتابي، إذ يعيد العهد الجديد قراءته مرارًا بوصفه يشير إلى المسيح نفسه. بولس وبطرس لا يريان في هذا الحجر مؤسسة قومية ولا نظامًا سياسيًا مستقبليًا، بل شخصًا يُبنى عليه شعب الله. ومن ثم، فإن أي قراءة تجعل من صهيون ضمانًا سياسيًا مستقبليًا تتجاهل جوهر النص الذي ينقل مركز الثقة من النظام إلى الشخص، ومن الجغرافيا إلى الإيمان.


إشعياء 29: أورشليم بين العمى والتجديد

ينتقل إشعياء في هذا الإصحاح إلى تشخيص أزمة أعمق، وهي التناقض بين الامتياز الديني والواقع الروحي. فالشعب لا يفتقر إلى الطقوس، بل إلى القلب الحي أمام الله:

"اقترب إلي هذا الشعب بفمه وأكرمني بشفتيه وأما قلبه فمبتعد عني" إش 29: 13

هذا التشخيص يكشف أن المشكلة ليست في غياب العبادة، بل في انفصال العبادة عن الطاعة والإيمان. أورشليم هنا مدينة متديّنة، لكنها عمياء روحيًا. ولهذا، فإن الرجاء الذي يعلنه إشعياء لا يأتي في صورة استعادة سلطة سياسية، بل في صورة تجديد داخلي:

"في ذلك اليوم يسمع الصم كلمات السفر ومن الظلام والظلمة تبصر عيون العمي" إش 29: 18

التجديد الموعود هو تجديد إدراكي وروحي، يتمثل في انفتاح السمع والبصر لمعرفة كلمة الرب. بهذا، يعيد إشعياء تعريف الرجاء باعتباره شفاءً للعمى الروحي قبل أن يكون تغييرًا في الظروف القومية.


إشعياء 30–31: بطلان الاتكال على مصر

تعود ثيمة الاتكال على التحالفات السياسية بقوة في إشعياء 30–31، وبخاصة الاتكال على مصر كقوة عسكرية موازنة. يعلن النبي بوضوح:

"ويل للبنين المتمردين يقول الرب حتى يصنعوا مشورة وليس مني ويقيموا سكيبًا وليس بروحي ليزيدوا خطية على خطية" إش 30: 1

الاعتماد على القوة السياسية يُدان هنا بوصفه تمردًا روحيًا، حتى لو كان مبرره الظاهري هو حماية الأمة. ثم يضع إشعياء مبدأً لاهوتيًا يقلب منطق السياسة القومية رأسًا على عقب:

"بالرجوع والسكون تخلصون بالهدوء والطمأنينة تكون قوتكم" إش 30: 15

الخلاص، بحسب هذا المنطق، لا يُنتَج بالقوة ولا بالتحالفات، بل بالرجوع إلى الرب والثقة الهادئة فيه. هذا الإعلان يقف في مواجهة مباشرة مع أي قراءة ترى في القوة القومية أو التفوق السياسي وسيلة لتحقيق وعود الله.


إشعياء 32–33: الملك العادل والمدينة الآمنة

في إشعياء 32 يظهر وعد ملك يختلف جذريًا عن نماذج الحكم المعروفة في التاريخ:

"هوذا بالعدل يملك ملك ورؤساء بالحق يترأسون" إش 32: 1

العدل، لا السيادة القومية، هو جوهر هذا الملك. ثم يربط إشعياء هذا التحول بسكب الروح:

"حتى يُسكب علينا روح من العلاء فتصير البرية بستانًا ويُحسب البستان وعرًا" إش 32: 15

التحول الاجتماعي والسياسي مرتبط مباشرة بتجديد روحي مصدره الروح القدس، لا بإعادة رسم الحدود أو استعادة النفوذ. ومن ثم، تأتي صورة المدينة الآمنة:

"ويكون شعبي ساكنًا في مسكن السلام وفي مساكن مطمئنة وفي محلات أمينة" إش 32: 18

هذه المدينة تُعرَّف بالأمان والسلام، لا بالأسوار أو القوة العسكرية. إنها مدينة أخلاقية وروحية قبل أن تكون كيانًا جغرافيًا.

إشعياء 34–35: الدينونة الكونية والطريق المقدس

يُختتم هذا القسم بمشهد إسخاتولوجي قوي، حيث تتجاور دينونة الأمم مع رجاء التجديد. يبدأ الإعلان بنداء شامل:

"تقدموا أيها الأمم لتسمعوا وأصغوا أيها الشعوب" إش 34: 1

الدينونة هنا كونية، لا تستثني شعبًا ولا تُكرّس احتكارًا قوميًّا للخلاص. لكن هذا الإعلان لا يقف عند الهلاك، بل ينفتح على رجاء شامل:

"وتفرح البرية والأرض اليابسة ويبتهج القفر ويزهر كالورد" إش 35: 1

الرجاء يُقدَّم كتجديد للخليقة كلها، لا كمشروع سياسي خاص بإسرائيل. وفي قلب هذا الرجاء تظهر صورة الطريق المقدس:

"وتكون هناك سكة وطريق يقال لها الطريق المقدس" إش 35: 8

هذا الطريق ليس ممرًا قوميًّا خاصًا، بل مسار قداسة:

"لا يعبر فيها نجس" إش 35: 8

والسائرون فيه هم المفديون:

"ومفديو الرب يرجعون ويأتون إلى صهيون بترنم" إش 35: 10

الرجوع هنا رجوع خلاص وفرح أبدي، لا عودة سياسية زمنية. صهيون تصبح غاية روحية، لا عاصمة قومية.


خلاصة إشعياء 28–35

يؤكد هذا القسم من سفر إشعياء أن الاتكال على التحالفات السياسية يُدان نبويًا، وأن صهيون الحقيقية تُبنى على حجر إيماني لا على ضمان قومي. الملك الموعود يُعرَّف بالعدل وسكب الروح، والخلاص يُقدَّم كتجديد روحي شامل. أما الطريق المقدس، فيُحدَّد بالنقاوة والقداسة، لا بالانتماء الإثني.

وعليه، فإن استخدام إشعياء 28–35 لتبرير مشروع قومي مستقبلي لإسرائيل لا يكتفي بتجاهل السياق التاريخي، بل يتجاوز قلب الرسالة النبوية التي تربط الرجاء بالاتكال على الرب وحده وبالسلوك في طريق القداسة.


يستكمل في المقالات القادمة!


كيفية توثيق المقال عند الاقتباس

في حال الاقتباس من هذا المقال أو الإحالة إليه في أبحاث أكاديمية أو كتابات علمية، يُرجى توثيقه وفق أحد أنماط التوثيق المعتمدة أكاديميًا، سواء بنظام الحواشي السفلية أو نظام المؤلف والتاريخ، مع الالتزام بذكر اسم الكاتب، وعنوان المقال كاملًا، واسم المشروع أو المنصة التي نُشر ضمنها، وتاريخ النشر، والرابط الإلكتروني إن وُجد. ويُعد الالتزام بالتوثيق الدقيق جزءًا من الأمانة العلمية واحترام الحقوق الفكرية، كما يضمن إمكانية تتبع الحُجّة في سياقها اللاهوتي والبحثي الصحيح.

مينا وجيه يوسف، "سفر إشعياء (4): إشعياء 28–35"، مقال لاهوتي، 27 ديسمبر 2025.


 

Comments


محتوى الموقع يخضع لسياسة حقوق الملكية الفكرية للنشر والنسخ ويحذر استخدام المحتوى المقدم بدون اذن كتابي من خدمة الخبز الحي©
bottom of page