top of page
1/3

المقال الخامس: سفر إشعياء (3): إشعياء 13–27


ree

نبوات الأمم، المدينة، ورجاء إسرائيل بين الدينونة والخلاص

بقلم: مينا وجيه يوسف


إشعياء 13–23: نبوات الأمم ونقض المركزية القومية

تشكّل الأصحاحات 13–23 من سفر إشعياء وحدة نبوية واسعة تُعرف تقليديًا باسم “أحمال الأمم”. وغالبًا ما يُساء استخدام هذه النصوص في اللاهوت التدبيري حين تُقرأ بوصفها جدولًا إسخاتولوجيًا زمنيًا يمهّد في نهايته لسيادة إسرائيل القومية على الأمم. غير أن البنية الداخلية لهذه النبوات تكشف عن مقصود مختلف جذريًا، يتمثل في إعلان سيادة الرب الكونية ونزع أي امتياز قومي مطلق، سواء لإسرائيل أو لغيرها من الأمم.

تبدأ هذه السلسلة بدينونة بابل، القوة الإمبراطورية العظمى في العالم القديم:

"ولولوا لأن يوم الرب قريب قادم كخراب من القادر على كل شيء" إشعياء 13: 6

يوم الرب هنا لا يُقدَّم بوصفه حدثًا واحدًا نهائيًا معزولًا في نهاية التاريخ، بل كنمط متكرر من تدخل الله السيادي في التاريخ. هذا الاستخدام المتنوع ليوم الرب يقوّض القراءة التدبيرية التي تحصر المفهوم في ذروة إسخاتولوجية واحدة مرتبطة بمستقبل إسرائيل القومي، ويؤكد بدلًا من ذلك أن يوم الرب مبدأ لاهوتي يُطبَّق على كل الأمم بحسب أفعالها.

واللافت أن هذا المبدأ لا يُطبَّق على الأمم الوثنية وحدها، بل يمتد ليشمل أورشليم نفسها لاحقًا، حيث يُعاد ترتيب القيم البشرية أمام سيادة الله:

"فأجعل الإنسان أعز من الذهب الإبريز" إشعياء 13: 12

التركيز هنا ليس على تمجيد شعب بعينه، بل على قيمة الإنسان في ضوء دينونة الله الشاملة، وهو ما ينزع أي أساس لقراءة تُقيم تدرّجًا قوميًّا في القيمة أو الامتياز.


إشعياء 19: مصر، أشور، وإسرائيل كشعب واحد

يُعد إشعياء 19 من أكثر النصوص إرباكًا لأي قراءة قومية ضيقة لسفر إشعياء، لأنه يقدّم تصورًا لاهوتيًا لا يمكن احتواؤه داخل نموذج يضع إسرائيل في مركز هرمي تتبعه الأمم. يقول النبي:

"في ذلك اليوم يكون إسرائيل ثالثًا لمصر ولأشور بركة في الأرض" إشعياء 19: 24

إسرائيل هنا ليست رأس الأمم، بل “ثالثًا” ضمن ثلاثية خلاصية، حيث تشترك مع مصر وأشور في البركة الإلهية. ثم يتجاوز النص كل التصنيفات القومية التقليدية حين يضيف:

"مبارك شعبي مصر وعمل يدي أشور وميراثي إسرائيل" إشعياء 19: 25

إطلاق لقب “شعبي” على مصر، و“عمل يدي” على أشور، لا يمكن تفسيره كتعبير بلاغي عابر، بل هو إعادة تعريف جذرية لمفهوم شعب الله. فالشعب لم يعد محصورًا في الانتماء الإثني، بل يتّسع ليشمل أممًا كانت تمثّل ألدّ أعداء إسرائيل تاريخيًا. ولهذا يرى John Goldingay أن هذا النص من أقوى الشواهد على لاهوت إشعياء الشامل، حيث تُرى الأمم شركاء في الخلاص لا توابع لإسرائيل.


إشعياء 24–27: الرؤيا الإسخاتولوجية والمدينة الحقيقية

تُعرف الأصحاحات 24–27 أحيانًا باسم “رؤيا إشعياء الصغيرة”، وهي من أكثر المقاطع استخدامًا لإثبات إسخاتولوجيا حرفية مستقبلية. غير أن اللغة الرمزية الكثيفة التي تميّز هذه النصوص تفرض حذرًا منهجيًا صارمًا، لأنها لا تتعامل مع أحداث سياسية محددة بقدر ما تكشف عن أبعاد كونية للدينونة والخلاص.

يعلن إشعياء في افتتاح هذا القسم:

"هوذا الرب يُخلي الأرض ويُقفرها" إشعياء 24: 1

الدينونة هنا كونية لا محلية، تشمل الأرض كلها، مما يمنع حصرها في صراع قومي أو جغرافي محدود. ثم ينتقل النص من الدينونة إلى الرجاء في صورة وليمة خلاصية: 

يصنع رب الجنود لجميع الشعوب في هذا الجبل وليمة سمائن" إشعياء 25: 6

الوليمة ليست امتيازًا قوميًّا لإسرائيل، بل دعوة موجهة “لجميع الشعوب”. ويبلغ الرجاء ذروته في الإعلان الإسخاتولوجي العظيم:

"يبتلع الموت إلى الأبد ويمسح السيد الرب الدموع عن كل الوجوه" إشعياء 25: 8

هذا النص، الذي يستحضره بولس لاحقًا في سياق القيامة العامة، يربط الرجاء النهائي بالحياة الجديدة وغلبة الموت، لا باستعادة كيان قومي أو سيادة سياسية.

أما صورة المدينة في إشعياء 26، فهي مدينة خلاص لا مدينة حدود:

"لنا مدينة قوية يجعل الخلاص أسوارًا ومترسة" إشعياء 26: 1

المدينة هنا ليست أورشليم الجغرافية، بل رمز لجماعة الخلاص نفسها، وهو ما يؤكده النص صراحة:

"افتحوا الأبواب لتدخل الأمة البارة الحافظة الأمانة" إشعياء 26: 2

الانتماء إلى هذه المدينة يُحدَّد بالبر والأمانة، لا بالنسب أو الهوية القومية.


إشعياء 27: الكرم المستعاد لا الأمة المستعادة

يعود إشعياء في هذا الإصحاح إلى صورة الكرم، لكن بصيغة جديدة تمامًا:

"في ذلك اليوم غنوا للكرم المشتهاه" إشعياء 27: 2

الكرم هنا ليس كرم إشعياء 5 الذي أُدين بسبب فساده، بل كرم محفوظ ومثمر بسبب رعاية الرب المستمرة:

"أنا الرب حارسها أسقيها كل لحظة" إشعياء 27: 3

وأما النص الذي يُستخدم أحيانًا لتبرير رجوع قومي شامل:

"ويكون في ذلك اليوم أنه يُضرب من نهر إلى وادي مصر وأنتم تُلقطون واحدًا واحدًا" إشعياء 27: 12

فإن العبارة الحاسمة فيه هي “واحدًا واحدًا”، وهي عبارة تنقض فكرة الرجوع الجماعي القومي، وتؤكد أن العودة ذات طابع شخصي عهدي، لا حركة قومية تلقائية.


خلاصة إشعياء 13–27

يكشف هذا القسم من سفر إشعياء بوضوح أن دينونة الله وخلاصه يتجاوزان كل إطار قومي ضيق. الأمم مدعوون إلى الشركة لا إلى الخضوع، ومفهوم المدينة والخلاص يُقدَّم بلغة رمزية ولاهوتية، لا جغرافية. والرجاء الإسخاتولوجي يرتبط بالقيامة والحياة الجديدة، لا بإعادة بناء كيان قومي. ومن ثم، فإن أي قراءة حرفية قومية لهذه النصوص لا تفقر غناها اللاهوتي فحسب، بل تفشل في احترام البنية العميقة للنبوة نفسها.

 

يتبع في المقالات القادمة!


كيفية توثيق المقال عند الاقتباس

في حال الاقتباس من هذا المقال أو الإحالة إليه في أبحاث أكاديمية أو كتابات علمية، يُرجى توثيقه وفق أحد أنماط التوثيق المعتمدة أكاديميًا، سواء بنظام الحواشي السفلية أو نظام المؤلف والتاريخ، مع الالتزام بذكر اسم الكاتب، وعنوان المقال كاملًا، واسم المشروع أو المنصة التي نُشر ضمنها، وتاريخ النشر، والرابط الإلكتروني إن وُجد. ويُعد الالتزام بالتوثيق الدقيق جزءًا من الأمانة العلمية واحترام الحقوق الفكرية، كما يضمن إمكانية تتبع الحُجّة في سياقها اللاهوتي والبحثي الصحيح.

مينا وجيه يوسف، "سفر إشعياء (3): إشعياء 13–27"، مقال لاهوتي، 26 ديسمبر 2025.



Comments


محتوى الموقع يخضع لسياسة حقوق الملكية الفكرية للنشر والنسخ ويحذر استخدام المحتوى المقدم بدون اذن كتابي من خدمة الخبز الحي©
bottom of page