top of page
1/3

المقال الثاني: الإطار الهرمنيوطيقي لفهم نبوات إسرائيل بين التاريخ والخلاص

ree

بقلم مينا وجيه يوسف


تمثّل نبوات العهد القديم أحد أكثر ميادين التفسير الكتابي تعقيدًا، لا بسبب غموض النصوص فحسب، بل بسبب الإطار الهرمنيوطيقي الذي تُقرأ من خلاله. فالسؤال الحاسم ليس فقط ماذا قالت النبوة، بل ضمن أي بنية لاهوتية قيلت، ولأي نوع من الشعب وُجِّه خطابها. إن القراءة التي تفصل النبوة عن واقع العهد والتاريخ الخلاصي تُحوّلها من خطاب إلهي حي إلى برنامج زمني مجرّد، وهو ما يشكّل انحرافًا جوهريًا عن طبيعتها الأصلية.

فالنبوة في العهد القديم لا تُقدَّم بوصفها تنبؤًا مستقبليًا مستقلًا عن الواقع الأخلاقي والروحي لإسرائيل، بل خطابًا موجَّهًا إلى شعب قائم داخل علاقة عهدية محدّدة مع الرب. الأنبياء لا يخاطبون إسرائيل ككيان قومي محايد، بل كجماعة لاهوتية خاضعة لشروط الطاعة والعصيان، للبركات واللعنات، بحسب العهد الذي دخلت فيه مع الله. ومن ثم، فإن أي قراءة للنبوات تتجاهل هذا الإطار العهدي تُفرغ النص من بنيته الداخلية وتفقده منطقه اللاهوتي.

يتضح هذا منذ افتتاحيات الأسفار النبوية نفسها، حيث يُستدعى التاريخ الخلاصي بوصفه خلفية حاكمة للخطاب النبوي. فخروج مصر، والعهد الموسوي، ودخول الأرض، لا تُذكر كذكريات قومية، بل كعلامات على علاقة مشروطة. الأرض ليست حقًا مطلقًا، بل عطية مرتبطة بالأمانة. لذلك، فإن النبوة لا تعد بمستقبل تلقائي، بل تحذّر باستمرار من فقدان الامتيازات إن استمر العصيان. اتهام إشعياء الافتتاحي، حين يصف الشعب بأنه "أمة خاطئة" و"شعب ثقيل الإثم" (أش ١: ٤)، لا يُعد تمهيدًا عرضيًا، بل تأسيسًا لطبيعة النبوة نفسها بوصفها دعوة للتوبة قبل أن تكون إعلانًا عن أمجاد مستقبلية.

هنا يظهر التباين الجذري مع المنهج التدبيري في كثير من صِيَغه، إذ يتعامل مع النبوة بوصفها برنامجًا مستقبليًا منفصلًا إلى حدٍّ كبير عن الاستجابة الأخلاقية. تُقرأ وعود الرجوع والأرض باعتبارها غير مشروطة، ويتم تأجيل الدينونة دون نفيها صراحة، لكن دون السماح لها بأن تُعيد تشكيل معنى الوعد نفسه. غير أن هذا الفصل لا يجد سندًا حقيقيًا في البنية الأدبية أو اللاهوتية للنصوص النبوية، بل يُفرض عليها من خارجها.

وتتضح هذه الإشكالية بصورة أعمق عند الحديث عن الأرض. ففي الجدل التدبيري، تُعامل الأرض غالبًا بوصفها محور الوعد الإلهي الثابت الذي لا يقبل إعادة التفسير. إلا أن قراءة الأنبياء أنفسهم تُظهر أن الأرض ليست غاية في ذاتها، بل علامة على علاقة العهد، ويمكن فقدانها عند نقض هذا العهد. تحذير إرميا من جعل الهيكل والأرض مثل شيلوه (إر ٢٦: ٤–٦) لا يُفهم إلا إذا كانت هذه الرموز قابلة للزوال، وهو ما ينفي فكرة الامتياز القومي المطلق.

الأهم من ذلك أن الأنبياء لا يتحدثون عن الأرض بمعزل عن تجديد القلب. فحزقيال، على سبيل المثال، يربط الرجوع أولًا بتغيير داخلي جذري: قلب جديد وروح جديدة، ثم يأتي الحديث عن السكن في الأرض كنتيجة لا كشرط سابق. هذا الترتيب اللاهوتي ليس تفصيلًا ثانويًا، بل يكشف عن منطق النبوة نفسه. فالرجوع الحقيقي هو رجوع إلى الله قبل أن يكون رجوعًا إلى الجغرافيا. أما القراءة التي تجعل الأرض مركز النبوة ثم تُلحق بها التوبة لاحقًا، فهي تقلب منطق النص رأسًا على عقب.

ويُعد مفهوم "البقية" أحد أكثر المفاهيم النبوية التي تُربك أي تصور لخلاص قومي شامل متجانس. فالأنبياء لا يتحدثون عن خلاص شامل لإسرائيل بحسب الجسد، بل عن جماعة أمينة داخل الشعب، تتميّز بالإيمان والطاعة. استمرار إسرائيل في التاريخ لا يُنسب إلى كثرتها العددية أو إلى هويتها القومية، بل إلى أمانة الله لبقية صغيرة. هذا المبدأ لا يظهر كحل مؤقت في زمن الأزمة، بل كقاعدة تفسيرية متكررة.

ويزداد ثقل هذا المفهوم عندما نلاحظ أن الرسول بولس يستخدمه في رومية ٩–١١ بوصفه مفتاحًا لفهم علاقة إسرائيل بالأمم، وليس كاستثناء مرحلي. فإدخال الأمم لا يُعد خيانة لوعود الله، لأن الوعد لم يكن قائمًا أصلًا على الشمول القومي، بل على البقية الأمينة. وهنا يواجه اللاهوت التدبيري مأزقًا حقيقيًا، إذ يضطر إما إلى حصر مفهوم البقية في الزمن الحاضر فقط، أو إلى تجاوزه لصالح سيناريو مستقبلي لخلاص قومي شامل، وهو ما يتعارض مع الاستخدام النبوي والرسولي للمفهوم.

ويزداد التوتر حين نلاحظ أن الأنبياء أنفسهم يعيدون تعريف "إسرائيل" داخل خطابهم. فإسرائيل ليست دائمًا مرادفة للنسل الجسدي، بل تُستخدم أحيانًا للدلالة على جماعة أخلاقية وروحية داخل الشعب. نبوّة هوشع التي تعلن دعوة "الذي ليس شعبي شعبي" لا تمثّل مجرد استعارة شعرية، بل تفجيرًا لحدود الهوية القومية الضيقة. هذا التوسيع لا يعني إلغاء إسرائيل، بل نزع طابعها الإثني الجامد، وإعادة تعريفها ضمن علاقة العهد والإيمان.

ومن ثم، فإن أي قراءة تجعل إسرائيل مصطلحًا قوميًّا ثابتًا عبر كل مراحل الإعلان تقع في تسطيح خطير للنص، وتتجاهل التوتر الداخلي الذي يحمله الخطاب النبوي نفسه. إسرائيل الكتابية ليست فئة إثنية صلبة، بل شعبًا يُعرَّف باستمرار على ضوء الأمانة أو الخيانة للعهد.

وأخيرًا، لا يمكن لأي قراءة نبوية أن تدّعي الاتساق الكتابي دون أن تخضع لاختبار العهد الجديد. فالرسل لم يتعاملوا مع نبوات الرجوع أو الهيكل أو صهيون بوصفها مؤجلة بالكامل إلى مستقبل قومي مستقل، بل أعلنوا بدء تحقيقها في المسيح. ومن هنا، فإن المنهج السليم لا يبدأ بالأنبياء ثم يُقيِّد قراءة العهد الجديد لهم، بل يسمح للقراءة الرسولية أن تكون المعيار الحاكم لفهم النبوة.

هذا هو المأزق المنهجي الذي يقع فيه اللاهوت التدبيري في كثير من تطبيقاته: تفسير الأنبياء أولًا بمعزل عن العهد الجديد، ثم محاولة التوفيق القسري لاحقًا. أما القراءة العهدية الخلاصية، فترى في العهد الجديد الامتحان النهائي لأي تفسير نبوي، لأن المسيح هو نقطة التقاء التاريخ والخلاص، والنهاية التي تُعاد في ضوئها قراءة كل الوعود.


 

كيفية توثيق المقال عند الاقتباس

في حال الاقتباس من هذا المقال أو الإحالة إليه في أبحاث أكاديمية أو كتابات علمية، يُرجى توثيقه وفق أحد أنماط التوثيق المعتمدة أكاديميًا، سواء بنظام الحواشي السفلية أو نظام المؤلف والتاريخ، مع الالتزام بذكر اسم الكاتب، وعنوان المقال كاملًا، واسم المشروع أو المنصة التي نُشر ضمنها، وتاريخ النشر، والرابط الإلكتروني إن وُجد. ويُعد الالتزام بالتوثيق الدقيق جزءًا من الأمانة العلمية واحترام الحقوق الفكرية، كما يضمن إمكانية تتبع الحُجّة في سياقها اللاهوتي والبحثي الصحيح.

مينا وجيه يوسف، "الإطار الهرمنيوطيقي لفهم نبوات إسرائيل بين التاريخ والخلاص"، مقال لاهوتي، 22 ديسمبر 2025.


Comments


محتوى الموقع يخضع لسياسة حقوق الملكية الفكرية للنشر والنسخ ويحذر استخدام المحتوى المقدم بدون اذن كتابي من خدمة الخبز الحي©
bottom of page