top of page
1/3

المقال الحادي عشر: فصل انتقالي: من إشعياء إلى إرميا: التحوّل من رجاء المجد إلى أزمة العهد

بقلم: مينا وجيه يوسف

ree


تمهيد

لا يمكن الانتقال من سفر إشعياء إلى سفر إرميا انتقالًا تقنيًا أو زمنيًا فحسب، كما لو أن الأمر لا يتجاوز ترتيبًا تاريخيًا للأنبياء. نحن أمام تحوّل هرمنيوطيقي عميق، لأننا ننتقل من نبي يعلن الرجاء وسط التهديد، إلى نبي يفسّر الانهيار ذاته بوصفه حكمًا إلهيًا وعلامة فشل عهدي. ومن ثم، فإن هذا الفصل الانتقالي لا يهدف إلى إضافة مادة تفسيرية جديدة، بقدر ما يعيد ترتيب ما سبق، ويهيّئ القارئ لقراءة إرميا لا كنقض لإشعياء، بل كتكميل قاسٍ ولكن ضروري له.

فإذا كان إشعياء قد فكّك وهم الضمان القومي، وأعاد تعريف الرجاء بعيدًا عن الأرض والهيكل والسيادة، فإن إرميا سيذهب خطوة أبعد، ليُعلن أن الاتكال على هذه الرموز نفسها قد صار عثرة، وأن المدينة والهيكل لم يعودا علامات حماية، بل صارَا موضع مساءلة ودينونة حين انفصل العهد عن الطاعة.


وحدة الرسالة النبوية لا وحدة الظروف التاريخية

يخطئ القارئ التدبيري حين يتعامل مع إشعياء وإرميا بوصفهما شاهدين على مرحلتين منفصلتين من خطة الله، مرحلة رجاء يعقبها تأديب، يمكن لاحقًا دمجهما في مخطط إسخاتولوجي يعيد لإسرائيل مكانتها القومية. غير أن القراءة القانونية للنصوص تكشف أن السفرين يشتركان في بنية لاهوتية واحدة، رغم اختلاف النبرة والظرف التاريخي.

إشعياء لم يَعِد بالرجاء دون تأديب، بل أعلن السبي بوضوح قبل أن ينطق بكلمات التعزية:

"هوذا أيام تأتي يُحمل فيها كل ما في بيتك إلى بابل" أش 39: 6

وفي المقابل، لا يبدأ إرميا بالدينونة الخالصة دون أفق رجاء، بل يزرع منذ داخل واقع السبي نفسه وعدًا عهديًا عميقًا:

"لأني عرفت الأفكار التي أنا مفتكر بها عنكم يقول الرب أفكار سلام لا شر" إر 29: 11

الفرق الجوهري لا يكمن في مضمون الرسالة، بل في موضع إعلانها. إشعياء أعلن الرجاء من داخل مدينة لم تسقط بعد، بينما إرميا يفسّر سقوط المدينة ذاته بوصفه تحقيقًا لكلمة الرب، لا فشلًا لها. وهكذا يتقدّم اللاهوت النبوي من التحذير إلى التفسير، لا من الرجاء إلى اليأس.


من نقد الاتكال السياسي إلى تفكيك الاتكال اللاهوتي

في إشعياء، كان الخطر الأساسي هو الاتكال على التحالفات السياسية، ولا سيما مصر وأشور، بوصفها بدائل عن الثقة بالرب:

"ويل للبنين المتمردين يقول الرب حتى يصنعوا مشورة وليس مني" أش 30: 1

غير أن إرميا يكشف أن الأزمة أعمق من السياسة. فالخطر لم يعد الاتكال على قوى خارجية، بل الاتكال على الرموز الدينية ذاتها، وعلى افتراض أن وجود الهيكل وأورشليم يضمن حماية إلهية تلقائية مهما كانت حالة الشعب الروحية.

لهذا تُعد عظة الهيكل في إرميا 7 لحظة فاصلة في اللاهوت النبوي:

"لا تتكلوا على كلام الكذب قائلين هيكل الرب هيكل الرب هيكل الرب هو" إر 7: 4

هنا يُفكَّك الوهم القومي الديني من جذوره. فالمشكلة لم تعد سياسية فحسب، بل لاهوتية في جوهرها، إذ يتحوّل العهد إلى تعويذة، والهيكل إلى ضمانة، والحضور الإلهي إلى فكرة ميكانيكية منفصلة عن الطاعة.


من صهيون المتحوّلة إلى أورشليم المدانة

في إشعياء، رأينا تحوّل مفهوم صهيون من مركز قومي إلى جماعة خلاصية، ثم إلى أفق إسخاتولوجي للخليقة الجديدة:

"لأني هأنذا خالق سماوات جديدة وأرضًا جديدة" أش 65: 17

أما إرميا، فيعيد القارئ مؤقتًا إلى الواقع القاسي الذي يسبق هذا الاكتمال، حيث لا يمكن القفز إلى الخليقة الجديدة دون المرور عبر الانكسار الكامل. لذلك يعلن تهديدًا صادمًا:

"فأجعل هذا البيت مثل شيلوه" إر 26: 6

ذكر شيلوه ليس تفصيلًا تاريخيًا، بل تهديد لاهوتي بالغ العمق. شيلوه كانت مركز العبادة الشرعي قبل أورشليم، ومع ذلك هُدمت عندما انفصلت العبادة عن الطاعة. الرسالة واضحة: لا قداسة لمكان بمعزل عن العهد. وهنا يتبيّن أن إشعياء لم يكن يمهّد لمجد قومي متجدد، بل لإعادة تعريف جذرية لمعنى حضور الله، وهو ما يأخذه إرميا إلى نهايته المنطقية.


من العبد المتألم إلى الشعب المكسور

بلغ إشعياء 40–55 ذروته في شخصية عبد الرب، الذي يحمل خطايا الشعب ويصنع الخلاص عبر الألم النيابي:

"وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا" أش 53: 5

إرميا لا يقدّم بعدُ هذا الحل المسياني مكتملًا، لكنه يجسّد مأساة الشعب الذي لم يفهم معنى العبد، ولا قبل طريق الألم، فصار الألم لغته الوحيدة. النبي نفسه يصير نبيًا متألمًا، مرفوضًا، مكسورًا، وكأن حياته الشخصية تفسّر فشل الأمة في أن تكون عبدًا للرب.

في هذا السياق، يلاحظ Brevard Childs أن الانتقال من إشعياء إلى إرميا هو انتقال من لاهوت الرجاء المؤجَّل إلى لاهوت الانهيار الضروري قبل الرجاء، حيث لا يمكن بناء المستقبل دون كشف زيف الحاضر.


لماذا لا يسمح هذا الانتقال بقراءة تدبيرية؟

يميل اللاهوت التدبيري إلى التعامل مع إرميا بوصفه مرحلة تأديبية مؤقتة، تُلغى آثارها لاحقًا بعودة قومية نهائية تُستعاد فيها الأرض والهيكل والسيادة. غير أن هذا الفصل الانتقالي يكشف أن إرميا لا يمهّد لعودة رمزية لما كان، بل لإعلان قطيعة لاهوتية حقيقية مع النموذج القومي الديني.

فالهيكل لم يعد مركز الضمان.والأرض لم تعد علامة القبول.والشعب لم يعد يُعرَّف بالنسل.والعهد نفسه يحتاج إلى تجديد جذري.

وهذا ما سيُعلن صراحة في إرميا 31، لا بوصفه إصلاحًا للعهد القديم، بل عهدًا جديدًا مختلفًا في طبيعته، مكتوبًا على القلب لا على الحجر.


الخلاصة المنهجية للفصل الانتقالي

يمكن تلخيص هذا الفصل في خمس نقاط حاكمة. إشعياء وإرميا يشتركان في لاهوت واحد، وإن اختلفت نبرتهما. الرجاء في إشعياء لا يمكن فصله عن الانكسار في إرميا. التحوّل من صهيون إلى شيلوه ينسف أي ضمان قومي. الهيكل والأرض يفقدان وظيفتهما الرمزية القديمة حين ينفصلان عن الطاعة. والطريق إلى الرجاء الحقيقي يمر عبر انهيار النموذج القومي الديني.

وبهذا، يصبح الانتقال إلى سفر إرميا ليس انتقالًا إلى نبي تشاؤمي، بل إلى نبي يُكمِل ما بدأه إشعياء، ويدفع اللاهوت العهدي إلى منطقه النهائي: لا خلاص بلا كسر، ولا عهد بلا قلب جديد.


يتبع المقالات القادمة!


كيفية توثيق المقال عند الاقتباس

في حال الاقتباس من هذا المقال أو الإحالة إليه في أبحاث أكاديمية أو كتابات علمية، يُرجى توثيقه وفق أحد أنماط التوثيق المعتمدة أكاديميًا، سواء بنظام الحواشي السفلية أو نظام المؤلف والتاريخ، مع الالتزام بذكر اسم الكاتب، وعنوان المقال كاملًا، واسم المشروع أو المنصة التي نُشر ضمنها، وتاريخ النشر، والرابط الإلكتروني إن وُجد. ويُعد الالتزام بالتوثيق الدقيق جزءًا من الأمانة العلمية واحترام الحقوق الفكرية، كما يضمن إمكانية تتبع الحُجّة في سياقها اللاهوتي والبحثي الصحيح.

مينا وجيه يوسف، "من إشعياء إلى إرميا: التحوّل من رجاء المجد إلى أزمة العهد"، مقال لاهوتي، 3 يناير 2026.

 

Comments


محتوى الموقع يخضع لسياسة حقوق الملكية الفكرية للنشر والنسخ ويحذر استخدام المحتوى المقدم بدون اذن كتابي من خدمة الخبز الحي©
bottom of page