top of page
1/3

المقال الثالث عشر- سفر إرميا (2)- إر 7–20: عظة الهيكل، سقوط الضمانات، وانكشاف فشل اللاهوت القومي

بقلم: مينا وجيه يوسف.

إرميا2

إر 7: عظة الهيكل وتفكيك قداسة المكان

تُعد عظة الهيكل في إرميا 7 من أكثر النصوص النبوية راديكالية في نقد اللاهوت القومي، لأنها لا تُقال من خارج العبادة، بل من قلبها. يقف إرميا عند باب بيت الرب، لا ليهاجم الوثنية، بل ليواجه شعبًا يمارس العبادة بانتظام، لكنه حوّلها إلى غطاء لاهوتي للظلم والعصيان. المشكلة ليست في الهيكل ذاته، بل في تحويله إلى ضمانة مستقلة عن الطاعة:

"لا تتكلوا على كلام الكذب قائلين هيكل الرب هيكل الرب هيكل الرب هو" إر 7: 4

التكرار هنا ليس للتأكيد، بل للسخرية النبوية من عقلية التميمة. الشعب يفصل بين العبادة والسلوك، بين الطقس والعدل، فيأتي الاتهام صارخًا:

"هل تسرقون وتقتلون وتزنون… ثم تأتون وتقفون أمامي في هذا البيت" إر 7: 9–10

ثم يبلغ الخطاب ذروته في تهديد صادم:

"أجعل هذا البيت مثل شيلوه" إر 7: 14

ذكر شيلوه ليس استعارة بلاغية، بل سابقة تاريخية تُثبت أن الله لا يرتبط بمكان إذا نُقِض العهد. فشيلوه كانت مركز العبادة الشرعي، ومع ذلك دُمّرت. بهذا الإعلان، يُنسف مبدأ الاستمرارية القومية المرتكزة على الهيكل. اللاهوت الذي يفترض أن أورشليم لا يمكن أن تسقط هو لاهوت مرفوض نبويًا من أساسه.


إر 8–9: رفض الشريعة المكتوبة بلا قلب

ينتقل إرميا في الإصحاحين التاليين إلى تفكيك وهم آخر، هو وهم الحكمة الدينية القائمة على امتلاك الشريعة دون الخضوع لها:

"كيف تقولون نحن حكماء وشريعة الرب معنا حقًا" إر 8: 8

الانتقاد هنا ليس للشريعة، بل لتحويلها إلى رأسمال قومي، علامة تفوق ديني لا معيار طاعة. ثم يُعلن فشل القيادة الدينية نفسها:

"من النبي إلى الكاهن كل واحد يصنع كذبًا" إر 8: 10

وفي إرميا 9، يُعاد تعريف معيار الفخر تعريفًا جذريًا:

"لا يفتخر الحكيم بحكمته… بل بهذا يفتخر المفتخر أنه يفهم ويعرفني" إر 9: 23–24

هذا الإعلان يطيح بكل أشكال الافتخار القومي والديني. فمعرفة الله العهدية، لا الامتيازات التاريخية ولا الهوية الجماعية، هي معيار القبول. هنا يتضح أن اللاهوت القومي لا يفشل سياسيًا فقط، بل أخلاقيًا وروحيًا.


إر 10: لا فرق بين وثنية الأمم ووثنية إسرائيل

يفضح إرميا في هذا الإصحاح تشابهًا صادمًا بين عبادة الأوثان الوثنية والاتكال الإسرائيلي على رموزه الدينية:

"خشب من الوعر قطعوا… زيّنوه بالفضة والذهب" إر 10: 3–4

ثم يأتي الإعلان اللاهوتي الفاصل:

"ليس مثلَكَ يا رب" إر 10: 6

المقارنة هنا لا تهدف إلى مساواة إسرائيل بالأمم سياسيًا، بل إلى كشف جوهر المشكلة: الاتكال على ما هو مصنوع بشريًا بدل الاتكال على الرب الحي. سواء كان هذا المصنوع صنمًا وثنيًا أو نظامًا دينيًا قوميًّا، فالنتيجة واحدة. إسرائيل، حين تتكل على الهيكل دون الطاعة، لا تختلف جوهريًا عن الأمم التي تتكل على أوثانها.


إر 11: خرق العهد وشرعية اللعنة

يعود إرميا هنا إلى لغة العهد بوضوح لا لبس فيه:

"ملعون الرجل الذي لا يسمع كلام هذا العهد" إر 11: 3

ثم يعلن التشخيص القاطع:

"قد نقضوا عهدي الذي قطعته مع آبائهم" إر 11: 10

اللعنة ليست فشلًا للوعد، بل تفعيلًا لبنود العهد نفسها. بهذا، يُسقِط إرميا أي تصور يفصل بين الوعود واللعنات، أو يؤجّل الأخيرة بوصفها غير ذات صلة بمستقبل إسرائيل. العهد يعمل كوحدة واحدة، طاعة وبركة، عصيان ولعنة.


إر 12–15: احتجاج النبي وحدود الشفاعة

يدخل السفر في هذه المرحلة بُعدًا شخصيًا عميقًا، حيث يحتج إرميا على ثقل الرسالة:

"بار أنت يا رب إذا خاصمتك" إر 12: 1

لكن الرد الإلهي يأتي صادمًا:

"دعهم وأنت انصرف عنهم" إر 15: 1

حتى شفاعة موسى وصموئيل لم تعد قادرة على تغيير المسار. هذا الإعلان يعني أن الأزمة بلغت نقطة اللاعودة داخل الإطار القائم. وهنا تتهاوى الفكرة القومية القائلة إن وجود أتقياء أو أنبياء كفيل بإنقاذ الأمة ككل. البر لا يُورَّث، والشفاعة لها حدود حين يُرفض العهد بإصرار.


إر 16: نهاية الرموز الاجتماعية والدينية

يتحوّل إرميا نفسه في هذا الإصحاح إلى علامة نبوية حيّة. يُمنع من الزواج والمشاركة في الطقوس الاجتماعية:

"لا تتخذ لك امرأة" إر 16: 2

هذا المنع ليس زهدًا شخصيًا، بل إعلان عن انقطاع الاستمرارية الاجتماعية ذاتها. ثم يأتي الإعلان اللاهوتي البالغ الأهمية:

"لا يقولون بعد حي هو الرب الذي أصعد بني إسرائيل من أرض مصر" إر 16: 14

النص لا يلغي الخروج، لكنه ينزع عنه مركزيته المطلقة، ويمهّد لعمل خلاصي جديد. غير أن هذا الجديد لا يُقدَّم كاستعادة قومية، بل كتغيير جذري في طريقة تذكّر الخلاص وفهمه.


إر 17: القلب لا الأرض هو محور الأزمة

يبلغ التحليل العهدي ذروته في هذا الإصحاح:

"القلب أخدع من كل شيء وهو نجيس" إر 17: 9

ثم يُقدَّم المعيار الحقيقي للبركة:

"مبارك الرجل الذي يتكل على الرب" إر 17: 7

البركة واللعنة لا تُقاسان بالمكان ولا بالنسب، بل باتكال القلب. بهذا، يُقوّض إرميا أي تصور يربط مستقبل إسرائيل بالأرض دون معالجة الجذر الحقيقي للأزمة، وهو القلب.


إر 18: الفخاري ومرونة التاريخ

يقدّم إرميا صورة الفخاري بوصفها مفتاحًا هرمنيوطيقيًا لفهم التاريخ:

"كطين في يد الفخاري كذلك أنتم في يدي" إر 18: 6

التاريخ ليس مسارًا آليًا لتحقيق وعود قومية ثابتة، بل مجال تفاعل أخلاقي. الله يمكن أن يغيّر مسار أمة بناءً على توبتها أو عنادها. هذه الرؤية وحدها كافية لإسقاط أي لاهوت يرى التاريخ مخططًا جامدًا لاستعادة إسرائيل بصرف النظر عن الاستجابة الأخلاقية.


إر 19–20: تحطيم الإناء وانكسار النبي

تبلغ الرمزية ذروتها حين يُطلب من إرميا أن يكسر إناء الفخاري:

"هكذا أكسر هذا الشعب وهذه المدينة" إر 19: 11

الكسر هنا نهائي لا إصلاحي. لا حديث عن ترقيع أو إعادة تشكيل داخل الإطار نفسه. ثم يدخل النبي في صراع داخلي عميق:

"غرّيتني يا رب فاغتريت" إر 20: 7

انكسار النبي يعكس انكسار الشعب، ويُظهر أن الطريق إلى الرجاء لا يمر عبر إصلاح قومي تدريجي، بل عبر انهيار كامل للنموذج القديم.


الخلاصة اللاهوتية لإر 7–20

يؤكد هذا القسم من سفر إرميا أن الهيكل فقد وظيفته كضمان خلاصي، وأن العبادة بلا عدل صارت وثنية، وأن الشريعة بلا قلب تحوّلت إلى كذب، وأن الشفاعة بلغت حدودها، وأن التاريخ خاضع لمرونة أخلاقية، وأن الكسر يسبق أي تجديد حقيقي.

بهذا، يُغلق إرميا الطريق نهائيًا أمام أي قراءة ترى في الرجوع الجغرافي أو إعادة بناء الهيكل حلًا للأزمة. فالمشكلة أعمق من المكان، والحل يجب أن يكون أعمق من السياسة. هنا يُمهَّد الطريق، لا لعودة قومية، بل لعهد جديد، يُكتَب في القلب لا على الحجر.


يتبع في المقالات القادمة!


كيفية توثيق المقال عند الاقتباس

في حال الاقتباس من هذا المقال أو الإحالة إليه في أبحاث أكاديمية أو كتابات علمية، يُرجى توثيقه وفق أحد أنماط التوثيق المعتمدة أكاديميًا، سواء بنظام الحواشي السفلية أو نظام المؤلف والتاريخ، مع الالتزام بذكر اسم الكاتب، وعنوان المقال كاملًا، واسم المشروع أو المنصة التي نُشر ضمنها، وتاريخ النشر، والرابط الإلكتروني إن وُجد. ويُعد الالتزام بالتوثيق الدقيق جزءًا من الأمانة العلمية واحترام الحقوق الفكرية، كما يضمن إمكانية تتبع الحُجّة في سياقها اللاهوتي والبحثي الصحيح.

مينا وجيه يوسف، "إر 7–20: عظة الهيكل، سقوط الضمانات، وانكشاف فشل اللاهوت القومي"، مقال لاهوتي، 6 يناير 2026.

 

Comments


محتوى الموقع يخضع لسياسة حقوق الملكية الفكرية للنشر والنسخ ويحذر استخدام المحتوى المقدم بدون اذن كتابي من خدمة الخبز الحي©
bottom of page