المقال الثالث: سفر إشعياء (1): الأساس النبوي للجدل حول إسرائيل
- مينا وجيه يوسف

- Dec 23, 2025
- 4 min read
قراءة في الفصول 1–6 بوصفها الإطار التأسيسي للنبوة
بقلم: مينا وجيه يوسف

أهمية سفر إشعياء في اللاهوت التدبيري
يُعَدّ سفر إشعياء أحد أهم الأسفار النبوية التي يستند إليها اللاهوت التدبيري في بناء تصوّره عن المستقبل القومي لإسرائيل. فالسفر، بطابعه الواسع ورؤيته الممتدة عبر التاريخ والدينونة والرجاء، يحتوي على نصوص محورية تتناول صهيون، والأمم، والرجوع من السبي، وملكوت الرب، والمجد الآتي. وغالبًا ما تُستَخدم هذه النصوص لإثبات فكرة الرجوع القومي النهائي، واستعادة الأرض، والتمييز الحاد بين إسرائيل والكنيسة في خطة الله المستقبلية.
غير أن التعامل مع إشعياء بوصفه كتابًا يقدّم “خريطة مستقبلية لإسرائيل القومية” يختزل البنية اللاهوتية للسفر اختزالًا مخلًّا. فإشعياء، في جوهره، ليس سفر ضمانات سياسية، بل سفر دينونة وتجديد. إنه خطاب نبوي يكشف أزمة الشعب قبل أن يعلن الرجاء، ويُعيد تعريف موضوع الوعد قبل أن يتكلم عن تحقيقه. من هنا، فإن السؤال المركزي الذي يطرحه السفر ليس: ماذا سيحدث لإسرائيل؟ بل: أي إسرائيل هي موضوع الرجاء الإلهي؟
إشعياء 1–5: تفكيك الامتياز القومي منذ البداية
يفتتح سفر إشعياء بإدانة صريحة لإسرائيل، لا بوصفها أمة ضعيفة أو مهزومة، بل بوصفها أمة متمردة رغم امتيازاتها العهدية:
"ويل للأمة الخاطئة الشعب الثقيل الإثم نسل فاعلي الشر أولاد مفسدين تركوا الرب استهانوا بقدوس إسرائيل ارتدوا إلى وراء" إش 1: 4
هذا الافتتاح لا يترك مجالًا لأي فهم قومي تلقائي للوعود. فإسرائيل التي يوبّخها النبي هي إسرائيل العهد، لكنها فقدت جوهر العهد. ومن ثم، فإن أي حديث لاحق عن رجاء أو مجد لا يمكن فصله عن هذا التقييم الأخلاقي القاسي. الامتياز القومي لا يُلغى نظريًا، لكنه يُجرَّد من أي قيمة خلاصية مستقلة.
يتعمّق هذا التفكيك في نشيد الكرم في إشعياء 5، حيث يقدّم النبي تفسيرًا لاهوتيًا لسبب الدينونة:
"كان لحبيبي كرم في أكمة خصبة… فانتظر أن يصنع عنبًا فصنع عنبًا رديئًا" إش 5: 1–2
ثم يفسّر الرمز تفسيرًا مباشرًا لا يحتمل التأويل القومي المريح:
فإن كرم رب الجنود هو بيت إسرائيل ورجال يهوذا غرس لذته. إش 5: 7
النتيجة ليست ضمانًا بل دينونة، وتشمل الأرض ذاتها:
"لذلك جعلت كرمَه خرابًا… لا يُقلم ولا يُنقّى" إش 5: 6
بهذا، يُقوِّض النص أي تصور عن قداسة الأرض بمعزل عن أمانة الشعب، ويؤسس مبدأً سيحكم كل السفر: الجغرافيا نفسها خاضعة لمنطق العهد، لا العكس.
إشعياء 2: 1–4 وصهيون والأمم
يُعد نص إشعياء 2: 1–4 من أكثر النصوص استخدامًا في اللاهوت التدبيري، حيث تُصوَّر صهيون مركزًا لتعليم الأمم:
"ويكون في آخر الأيام أن جبل بيت الرب يكون ثابتًا في رأس الجبال… وتسير إليه كل الأمم" إش 2: 2
التفسير التدبيري التقليدي يرى في هذا النص إعلانًا عن مستقبل حرفي تُستعاد فيه أورشليم كعاصمة روحية للعالم خلال الملك الألفي، حيث تأتي الأمم لتتعلّم الشريعة من إسرائيل القومية. غير أن هذا التفسير يقوم على افتراضين غير مبرهَنين:الأول، أن تعبير “آخر الأيام” يشير بالضرورة إلى حقبة مستقبلية بعد المجيء الثاني.والثاني، أن صهيون تُفهم جغرافيًا فقط، لا لاهوتيًا.
غير أن العهد الجديد يستخدم لغة “آخر الأيام” للإشارة إلى الحقبة المسيانية التي بدأت بالفعل، كما في قول بطرس:
"ويكون في الأيام الأخيرة يقول الله إني أسكب من روحي على كل بشر" أعمال الرسل 2: 17
كما أن مجيء الأمم لتعلّم طرق الرب يتحقق في الكرازة الإنجيلية ودخولهم إلى جماعة العهد، لا في خضوع سياسي أو جغرافي. فالرسل لم يروا في إيمان الأمم تأجيلًا للنبوة، بل تحقيقًا لها. وفي هذا الإطار، يقدّم G. K. Beale قراءة لاهوتية ترى أن صهيون لم تعد مجرد موقع جغرافي، بل رمزًا لحضور الله المتجسّد في جماعة العهد الجديدة.
إشعياء 4: البقية والتطهير قبل المجد
في إشعياء 4 يظهر نمط لاهوتي بالغ الأهمية، كثيرًا ما يُهمَل في القراءة التدبيرية، وهو أن المجد المستقبلي لا يأتي إلا بعد تطهير جذري:
"ويكون أن الباقي في صهيون والناجي في أورشليم يُدعى قدوسًا" إش 4: 3
الموضوع هنا ليس رجوع الجميع، بل بقاء البعض. وهذا البقاء ليس قوميًّا، بل أخلاقيًا وروحيًا. فالله لا يعيد بناء الأمة كما هي، بل يُنقّيها أولًا:
"إذا غسل السيد قذر بنات صهيون ونقّى دم أورشليم من وسطها بروح القضاء وروح الإحراق" إش 4: 4
هذا النص يقف حجر عثرة أمام أي تصور عن رجوع قومي شامل غير مشروط. فإسرائيل التي تنال المجد هي إسرائيل المطهَّرة، لا إسرائيل السياسية القائمة بذاتها.
إشعياء 6: القداسة الإلهية وإعادة تعريف الإرسالية
تُعد رؤية إشعياء في الهيكل لحظة مفصلية في السفر كله:
"قدوس قدوس قدوس رب الجنود مجده ملء كل الأرض" إش 6: 3
اللافت هنا أن المجد لا يُحصر في أرض إسرائيل، بل يملأ كل الأرض، مما يُمهّد لتوسيع أفق النبوة خارج الإطار الجغرافي الضيق. ثم تأتي الإرسالية القاسية:
"اسمعوا سمعًا ولا تفهموا… إلى أن تخرب المدن بلا ساكن" إش 6: 9–11
لكن الرجاء لا يُلغى، بل يُختزل في صورة جذرية:
"وأما العُشر فيعود ويصير للخراب… كبلوطة أو سنديانة في سقوطهما جذع قائم. النسل المقدس جذعها" إش 6: 13
مرة أخرى، البقية هي محور الرجاء، لا الكيان القومي الكامل. فالنسل المقدس لا يُعرَّف بالكثرة، بل بالقداسة.
يستكمل في المقالات القادمة!
كيفية توثيق المقال عند الاقتباس
في حال الاقتباس من هذا المقال أو الإحالة إليه في أبحاث أكاديمية أو كتابات علمية، يُرجى توثيقه وفق أحد أنماط التوثيق المعتمدة أكاديميًا، سواء بنظام الحواشي السفلية أو نظام المؤلف والتاريخ، مع الالتزام بذكر اسم الكاتب، وعنوان المقال كاملًا، واسم المشروع أو المنصة التي نُشر ضمنها، وتاريخ النشر، والرابط الإلكتروني إن وُجد. ويُعد الالتزام بالتوثيق الدقيق جزءًا من الأمانة العلمية واحترام الحقوق الفكرية، كما يضمن إمكانية تتبع الحُجّة في سياقها اللاهوتي والبحثي الصحيح.
مينا وجيه يوسف، "سفر إشعياء (1): الأساس النبوي للجدل حول إسرائيل"، مقال لاهوتي، 23 ديسمبر 2025.
























































Comments