top of page
1/3

الصراع بين الجسد والروح

Updated: Mar 6, 2021


· قبل البدء في سرد هذا الصراع الأصيل عند كل مسيحي حقيقي، يجب إرساء حقيقة هامة عن ملكوت الله:


- عندما نقرأ أنبياء العهد القديم، من السهل أن يتكون لدينا الانطباع القائل بأنه عندما يأتي المسيح سيتم استئصال الشر فجأة من الأرض، وأنَّ الأرض ستمتلئ بحضور الله المجيد، وأنَّ شعب الله الذي لا يُحصى سيملئ الأرض في خدمة وعبادة الله إلى الأبد. لكن يسوع تحدّى هذا التوقع. إنَّ أفضل الطرق لتلخيص تقدّم الملكوت في العهد الجديد هو من خلال مثال يسوع عن حبة الخردل. لنصغي إلى ما قاله يسوع عن ملكوت الله في (متى 13: 31-32): "شْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ حَبَّةَ خَرْدَل أَخَذَهَا إِنْسَانٌ وَزَرَعَهَا فِي حَقْلِهِ، وهي أصغرُ جميعِ البزورِ. وَهِيَ أَصْغَرُ جَمِيعِ الْبُزُورِ. وَلكِنْ مَتَى نَمَتْ فَهِيَ أَكْبَرُ الْبُقُولِ، وَتَصِيرُ شَجَرَةً..." في هذا المثال القصير شرح يسوع أنَّ ملكوت الله سوف يبدأ على نطاق صغير مثل حبة الخردل بدلاً من أن يأتي فجأة بشكل مروّع. لكن بمرور الوقت سينمو الملكوت ليصبح مثل شجرة الخردل الناضجة، وأكبر ملكوت عرفهُ كل العالم. في هذه السلسلة من الدروس سنتحدث مرة تلو الأخرى عن تقدّم ملكوت الله في زمن العهد الجديد في ثلاث مراحل.


- أولاً ، التأسيس :سنتحدث عن تأسيس الملكوت في خدمة المسيح والرسل. في أفسس 2: 20 يتحدث الرسول بولس عن الكنيسة على أنها مبنية: "مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ."


- ثانياً،الاستمرارية : سنتحدث عن استمرارية الملكوت الذي يغطي كل تاريخ الكنيسة بين مجيء المسيح الأول والثاني. وفي هذا الوقت علينا أن نضع أولوية عالية على إحلال ملكوت الله عن طريق العمل بإرادة الله. وذلك كما أعلن يسوع في (متى 6: 33): "لكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ..." في كل يوم من أيام حياتنا، علينا أن ننشر الإنجيل ونبني ملكوت المسيح.


- وثالثاً، الاكتمال : سنتحدث عن اكتمال الملكوت، أي عن الوقت الذي يعود فيه المسيح ويحقق خطة الله لتحويل كل العالم إلى ملكوته. وذلك كما كتب يوحنا في (رؤيا 11: 15-16): "ثُمَّ بَوَّقَ الْمَلاَكُ السَّابِعُ، فَحَدَثَتْ أَصْوَاتٌ عَظِيمَةٌ فِي السَّمَاءِ قَائِلَةً: قَدْ صَارَتْ مَمَالِكُ الْعَالَمِ لِرَبِّنَا وَمَسِيحِهِ، فَسَيَمْلِكُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ." علينا كأتباع للمسيح نعيش في هذه الأيام أن ننظر إلى الوراء إلى عمل الله الذي أسسهُ قبل الفي سنة. وعلينا أن نعمل على امتداد ملكوته اليوم أثناء استمرارية الملكوت، وننتظر مجيئه في المجد. إنَّ كل آمال ملكوت الله في العهد القديم تتحقق في المسيح خلال هذه المراحل الثلاثة لتأسيس، واستمرارية، واكتمال ملكوت الله.


· وعليه فنحن الآن في مرحلة الاستمرارية، ولذلك لم ينهي الله بداخلنا على طبيعتنا القديمة الفاسدة، والآن علينا فهم اولاً ما حدث لنا عندما آمنّا:

- قبل الايمان كان المسيطر علينا هي الخطية أي الفساد الموروث من آدم، تلك الطبيعة الساقطة التي افسدت انسانيتنا، فهي افسدت كل ما فينا مثل السرطان الذي يستشري في كل الجسم، فقد فسد فكرنا وفسدت دوافعنا وتوجهاتنا وكل ما فينا أصبح يعمل فيه الفساد، وبتسلط الخطية علينا تسلب ايضاً منا حرية الإرادة تجاه كل بر، فلا نستطيع ان نعمل الصلاح بمقياس الله.

- عند الايمان والمعمودية يقول الكتاب:” ام تجهلون اننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته، فدفنا معه بالمعمودية للموت، حتى كما اقيم المسيح من الاموات، بمجد الاب، هكذا نسلك نحن ايضا في جدة الحياة؟ لأنه ان كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته، نصير ايضا بقيامته. عالمين هذا: ان انساننا العتيق قد صلب معه ليبطل جسد الخطية، كي لا نعود نستعبد ايضا للخطية" (رو 6 :3 -6)، فما دفن هو انساننا العتيق، أي كل كياننا القديم الذي فسد بفعل الخطية المتسلطة علينا.

- وبتلك القيامة أصبحنا خليقة جديدة يتسلط عليها الروح القدس الساكن فينا وبذلك نكون قادرين على التحرر من سلطان الخطية العاملة فينا (ليبطل جسد الخطية) أي ليبطل عملها فينا أي تكون موجودة لكننا تحت تسلط للروح القدس الذي يملك بالنعمة على انساننا الجديد.

- ولكن توجد رواسب فكرية وسلوكية مترسبة في كياننا البشري تدفعنا للسلوك بحسب حياتنا القديمة بفعل وجود تلك الطبيعة الفاسدة بنا حتى بعد الايمان.

- وهنا ينشأ الصراع بين الروح القدس في قيادته لحياتنا الجديدة لنصير مشابهين صورة المسيح وبين الطبيعة القديمة التي تريدنا ان نعيش كما تعودنا مسبقاً.

- وهنا يفصل الكتاب المقدس بين اتجاهين داخلنا بعد الايمان لم يكونا قبله وهما: السلوك بالجسد او السلوك بالروح، أي السلوك بحسب ما اعتدنا به قبلاً بدافع من الطبيعة الخاطئة التي تزال فينا، او السلوك بقيادة الروح القدس لنا فلا نكمل تلك الشهوة من الجسد.

- عند الخضوع المستمر لقيادة الروح القدس لنا يظهر ثمر الروح فينا فتمتلأ حياتنا بالمحبة والفرح والسلام وطول الاناة واللطف والوداعة والتعفف والصلاح والايمان.

- وفي حالة السلوك بحسب الجسد فإننا نسلك مثل باقي البشر فتظهر تلك الأفعال الشنيعة التي تظهر من باقي الناس الجسديين الذين لا يسكن فيهم روح الله. كما تقول الرسالة الى غلاطية:

وانما اقول: اسلكوا بالروح فلا تكملوا شهوة الجسد. لان الجسد يشتهي ضد الروح والروح ضد الجسد، وهذان يقاوم أحدهما الاخر، حتى تفعلون ما لا تريدون. ولكن إذا انقدتم بالروح فلستم تحت الناموس. واعمال الجسد ظاهرة، التي هي: زنى عهارة نجاسة دعارة عبادة الاوثان سحر عداوة خصام غيرة سخط تحزب شقاق بدعة حسد قتل سكر بطر، وامثال هذه التي اسبق فأقول لكم عنها كما سبقت فقلت ايضا: ان الذين يفعلون مثل هذه لا يرثون ملكوت الله. واما ثمر الروح فهو: محبة فرح سلام، طول اناة لطف صلاح، ايمان وداعة تعفف. ضد امثال هذه ليس ناموس. ولكن الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الاهواء والشهوات. ان كنا نعيش بالروح، فلنسلك ايضا بحسب الروح. (غل 5: 16- 25)

- فالسر هنا اننا روحيين نعيش الآن بالروح أي كخليقة جديدة تخضع للروح لذلك علينا ان نفعل ذلك في سلوكنا فيظهر ثمر الروح فينا.

- الانسان المؤمن الحقيقي الذي يسكن فيه روح الله لا يصح تسميته انسانا جسدياً لكنه في الحقيقة روحياً أي يسكن فيه روح الله وذلك بحسب (رو 8: 9) “واما أنتم فلستم في الجسد بل في الروح، ان كان روح الله ساكنا فيكم. ولكن ان كان أحد ليس له روح المسيح، فذلك ليس له."

- ولكننا نرى الرسول بولس يصف الكورينثوسيين في رسالته الأولى انهم جسديون، فمعنى ذلك ليس انهم غير مؤمنين او لا يعرفون الرب، ولكن لأنهم يسلكون بحسب تلك الطبيعة القديمة ولا يضبطون نفسهم للسلوك بالروح في محبة بعضهم تجاه بعض.

- نحن الآن في هذا الصراع المتوتر بين خضوع ارادتنا للروح القدس الذي فينا والذي يثمر حياة فياضة ممتلئة من الروح، او الرجوع للأركان الضعيفة والسلوك بحسب الجسد.

- الحل لهذا الصراع يأتي من جانبين:


§ الجانب الأول: الامتلاء بالروح القدس، وهو كما قلنا سابقاً الخضوع القلبي لقيادة الروح عن طريق الرفض القطعي لرغبات الجسد وهو بالأحرى جعل الروح القدس يملأنا من صفات الله وملئه (تفسير أكثر دقة ل اف 5: 18)،و كما يقول الكتاب " بالروح تميتون اعمال الجسد"(رو8: 13) وما يترتب عليه من التواجد الدائم في محضر الله كما تشرح الرسالة الى رومية الاصحاح الثامن ذلك بعبارة اهتمام الروح حياة و سلام (رو 8: 6) و كلمة اهتمام تعني التوجه الفكري و الوجداني (Mental Pose) أي ان يكون ما يشغل فكري دائما هو الله حتى وانا اعمل او ادرس او العب او امارس أي عمل عادي.. ، فبهذا الخضوع نجهض كل شهوة خارجة منا ، فكما تقول رسالة يعقوب: " ولكن كل واحد يجرب اذا انجذب وانخدع من شهوته. ثم الشهوة إذا حبلت تلد خطية، والخطية إذا كملت تنتج موتا." يع 1: 14 -15). ومعنى ذلك ان تلك الشهوة الخارجة من الطبيعة الفاسدة التي بداخلنا إذا لم تحبل (أي لم تجد الجو المناسب لأخصابها) فبالتالي لا تنتج الخطية، وذلك في الوجود والانشغال الدائم في محضر الله.

§ الجانب الثاني: قمع الجسد الحياة المنضبطة للجسد، كما قال الرسول بولس عن نفسه: “الستم تعلمون ان الذين يركضون في الميدان جميعهم يركضون ولكن واحدا يأخذ الجعالة. هكذا اركضوا لكي تنالوا. وكل من يجاهد يضبط نفسه في كل شيء. ما اولئك فلكي يأخذوا اكليلا يفنى واما نحن فإكليلا لا يفنى. إذا انا اركض هكذا كأنه ليس عن غير يقين. هكذا اضارب كأني لا اضرب الهواء.

بل اقمع جسدي واستعبده حتى بعد ما كرزت للأخرين لا اصير انا نفسي مرفوضا ً" (1 كو 9 :24 – 27) وهذا القمع ليس معناه اهمال النظافة او الطعام الجيد او النوم، لكن هو التدريب على كبح جماح الرغبة الإنسانية في المزايدة في الاشباع فوق الاحتياج.



664 views0 comments

Comments


bottom of page