top of page
1/3

الرؤية الفيدرالية Federal Vision


مقدمة

على مدار تاريخ الكنيسة، وفي كل عصر، تنتج الكنيسة لاهوتها المستقيم الأصيل المبني على ثوابت الكتاب المقدس الحق المعصوم من الخطأ، لكن مع مرور الوقت، وبمرور الأجيال، يبدأ بعض اللاهوتيين في الحفاظ على أساس العقيدة ولكن مع إضافة شيء لها أو حذف شيء منها، أو ربما إعادة صياغة لبعض المصطلحات والعبارات مما يؤدي إلى وجود تشابه شديد مع الإيمان القويم ولكن مع وجود انحراف بسيط.

قد يكون هذا الانحراف خطيرًا يؤدي إلى هرطقة تحكم عليها الكنيسة بالضلال، وقد يكون مجرد شيء رمادي لا يمكن الحكم عليه بسهولة من البداية، ولكن مع الاستفاضة في شرحه تكتشف الكنيسة انه يحوي في داخله خطورة على رسالة الإنجيل.

على الكنيسة ان تكون شديدة الحرص في تمييز الأمور المتخالفة، فبعض التوجهات اللاهوتية قد تكون صحيحة من جهة وقد تكون خاطئة من جهة أخرى.

قد يأتي حامليها أحيانًا في ثياب الحملان المحافظين على التعليم المستقيم لكنهم سرعان ما ينتقلون سريعًا إلى إنجيل آخر. مما يعيق البسطاء عن فهم رسالة الإنجيل والتعثر في الحياة الروحية القويمة.

وما سيتم مناقشته في هذا البحث هو أحد التوجهات اللاهوتية التي تشبه إلى حد كبير الفكر العهدي المُصلَح المرتكز على نيابية آدم الأول كرأس فيدرالي للجنس البشري، ولكن هذا التوجه اللاهوتي يغير من تعبير الرأس الفيدرالي إلى الرؤية الفيدرالية؛ محافظًا على نقاط كثيرة أساسية ولكن مختلفًا مع بعض النقاط التي قد تؤدي أخيرًا إلى استشعار خطر شديد في داخله.

ولذلك سيقوم هذا البحث بتعريف لاهوت الرؤية الفيدرالية ونبذة تاريخية سريعة عنه، ومناقشة أهم نقاطه اللاهوتية، ومن ثم توضيح أوجه الاتفاق والاختلاف معه بالنسبة للاهوت الإنجيلي المُصلح.



الفصل الأول

تعريف الرؤية الفيدرالية وخلفية تاريخية

الرؤية الفيدرالية هي حركة لاهوتية وكنسية مثيرة للجدل داخل لاهوت العهد الإصلاحي. تمت مناقشته بشكل أساسي داخل الكنائس المُصلَحة والمشيخية في أمريكا الشمالية، ومع ذلك فإن تأثيره دولي أيضًا.

كما يمكن تعريف الرؤية الفيدرالية على أنها: " الرأي الذي يسعى إلى إعادة صياغة اللاهوت التقليدي العهدي المُصلَح من أجل تطبيق لاهوت عهدي مرتكز أكثر على دراسة العلاقة بين الطاعة والإيمان، ودور الكنيسة والأسرار في خلاص المرء." [1]

يشرح ستيفين ويلم كلمة «فيدرالية» على أنها من اللاتينية (foedus) وتعني «العهد». على الرغم من أن مؤيديها ملتزمون بأساسيات اللاهوت الإصلاحي، وعلى هذا النحو، يمكن اعتبارها مجموعة فرعية ضمن لاهوت العهد، فهي ليست حركة متجانسة وتحتوي داخلها على عدد من التأكيدات اللاهوتية المختلفة.[2]

في الوقت الحاضر، الرؤية الفيدرالية كحركة لاهوتية، انقسمت وذهبت في اتجاهات مختلفة، على الرغم من أن بعض نقاطها الرئيسية لا تزال موضع نقاش داخل اللاهوت المُصَلح.

بدأت الرؤية الفيدرالية، كحركة، في عام 2002 مع مؤتمر أوبورن أفينيو باستور (Auburn Avenue Pastor’s Conference) في كنيسة أوبورن أفينيو المشيخية، مونرو، لويزيانا. كان عنوان المؤتمر الأولي: "الرؤية الفيدرالية: فحص للعهدية الإصلاحية"، حيث تناول المتحدثون دوغلاس ويلسون Douglas Wilson وجون باراك، John Barach وستيف ويلكنز Steve Wilkins وستيف شليسل Steve Schlissel الموضوع.[3]

كان الهدف من المؤتمر هو تطبيق رؤية عهدية («فيدرالية») للكنيسة، خاصة من خلال التركيز على فهم ثابت لموضوعية العهد "the objectivity of the covenant" ، والتبرير، وضمان الخلاص، والتأكيد على الممارسة الصحيحة للأسرار. كما تضمن المؤتمر مناقشة لتطبيقات هذه القضاياي في نواحي اللاهوت والحياة.

ومع ذلك، لم يكن هناك اتفاق كامل على هذه القضايا، لكن ما وحد الشعب هو الرغبة في رؤية اللاهوت «الفيدرالي» يعمل في جميع آثاره اللاهوتية والكنسية والاجتماعية.

بعد عام 2003، أصبحت الرؤية الفيدرالية أكثر إثارة للجدل داخل اللاهوت المُصلَح، حيث بدأ الناس يفكرون فيما كان رواد هذا الفكر يعلموه. نشأ عدد من الممثلين المهمين للحركة، إلى جانب وضع نقاط واضحة لتوجههم.

ويؤكد ويلَم انه من بعدها انقسمت الحركة إلى طيف واسع ما بين ما سمّاه الرؤية الفيدرالية المُظلمة: “Federal Vision Dark” والرؤية الفيدرالية المُضيئة: “Federal Vision Light” وما بينهم من اختلافات في التأكيدات اللاهوتية. [4] وحتى عام 2010 صدرت العديد من الإقرارات داخل الكنائس المُصلحة المشيخية في الولايات المتحدة الأمريكية تناقش هذا التوجه اللاهوتي الجديد.

وبعد عام 2012 أصبحت الرؤية الفيدرالية المظلمة تميل لتصبح كاثوليكية مُصلحة. وفي عام 2016، نشر ليثارت Peter Leithart كتاب بعنوان «نهاية البروتستانتية» The End of Protestantism الذي يدعو فيه إلى مزيد من الوحدة داخل الكنيسة الأكبر، بما في ذلك الكاثوليكية الرومانية والأرثوذكسية الشرقية والبروتستانت الرئيسيين.

من ناحية أخرى، بحلول نهاية عام 2013، كتب دوجلاس ويلسون Douglas Wilson كتاب "ضد الكنيسة "Against the Church ، داعيًا الناس إلى لاهوت العهد الأكثر تقليدية، وبحلول عام 2017، توقف عن ان يعرف نفسه كأحد رواد الرؤية الفيدرالية، حيث أصبح أكثر انتقادًا لأولئك الذين تعرّف عليهم سابقًا، داخل الحركة.

وعلى مدار هذه السنوات تشارك العديد من رواد هذا الفكر مع حركة المنظور المُحدَث لبولس New Perspective on Paul وتقاطع تعليمهم في نقاط كثيرة، مع أن الأخير ينبع من دراسة يهودية لكتابات بولس بينما يبدأ الرؤية الفيدرالية من تغيير في مفاهيم اللاهوت المُصلح عن العهد. لكن يصل الإثنين إلى نفس النتائج تقريبًا وأشد خطورة لهما ليس في مناقشة مبدأ العهد ولكن عقيدة التبرير بالإيمان. [5]

اليوم تم رفض حركة الرؤية الفيدرالية من قبل العديد من الطوائف الرئيسية في مجلس أمريكا الشمالية المشيخي المُصَلح (NAPARC). من بين تلك الطوائف التي رفضت الرؤية الفيدرالية: الكنيسة المشيخية في أمريكا، والكنيسة المشيخية الأرثوذكسية، والكنائس الإصلاحية المتحدة، والكنيسة الإصلاحية في الولايات المتحدة، والكنائس الأرثوذكسية المسيحية الإصلاحية. [6]

من بين أولئك الذين يعارضون لاهوت الرؤية الفيدرالية:" إي كالفن بيسنر E. Calvin Beisner، آر سكوت كلارك, R. Scott Clark ، ليجون دنكان, Ligon Duncan ، ديفيد إنجلسما David Engelsma ، جيه في فيسكو J. V. Fesko ، مايكل هورتون, Michael Horton ، جوزيف بيبا Joseph Pipa ، جون روبينز John Robbins، براين سكوارتل Brian Schwertle، مورتون سميث Morton H. Smith، ديفيد فان درونين David Van Drunen وجاي ووترز Guy Waters. [7]




الفصل الثاني

أهم النقاط اللاهوتية

تشتهر الرؤية الفيدرالية بعدد من المفاهيم اللاهوتية، ولكن ربما يكون أكثر ما هو ضروري لها هو تركيزها على موضوعية العهد the objectivity of the covenant.

يمكن استخلاص مبادئ الرؤية الفيدرالية من شرح كل من برينتس ووترس في كتابه الرؤية الفيدرالية ولاهوت العهد- مقارنة تحليلية The Federal Vision and Covenant Theology: A comparative analysis [8]، وستيفين ويلم في مقاله عن الرؤية الفيدرالية السابق الاقتباس منه [9] ،الآتي:

بناء على عهد النعمة عبر التاريخ الفدائي، فعلى غرار إسرائيل في العهد القديم، يتم انضمام الشخص بموضوعية إلى مجتمع العهد الجديد، أي الكنيسة، من خلال تلقي علامة العهد، أي المعمودية.

وبالتالي، فإن جميع الذين تم تعميدهم (سواء كانوا أطفالًا أو بالغين) هم بشكل موضوعي في عهد النعمة والكنيسة المنظورة، وموحدون مع المسيح، على الرغم من أن هؤلاء الأشخاص أنفسهم قد يظهرون لاحقًا أنهم لم يكونوا أبدًا من العهد.

وهذا يستلزم أن جميع أولئك الذين دخلوا الكنيسة بموضوعية بفعل المعمودية - حتى أولئك الذين أظهروا أنفسهم لاحقًا على أنهم أعضاء غير مختارين - هم في اتحاد مع المسيح وبالتالي يتلقون فوائد خلاصية محددة يتمتعون بها حاليًا.

ومع ذلك، إذا لم يستمر هؤلاء الأشخاص في الإيمان وأمانة العهد، فسوف يظهرون أنفسهم على أنهم غير مختارين، ويفقدون في النهاية هذه الفوائد الخلاصية. في النهاية، فإن الاختيار الأصيل فقط هو الذي يصمد حتى النهاية ويتلقى الخلاص، على الرغم من أن غير المختار من الله داخل مجتمع العهد، أي المختار العهدي covenantal elect ، يتمتع مؤقتًا بالبركات الموضوعية للعهد، على الأقل حتى يظهروا أنفسهم على أنهم كاسرون للعهد.

فكثيرًا ما يجادل أصحاب الرؤية الفيدرالية أن الشخص الذي تمت معموديته حدث له التجديد أو الخليقة الجديدة حتى إذا لم يكن في الحقيقة من المختارين، فما يشددون عليه بمصطلح موضوعية العهد هو ان الانضمام للعهد من خلال علامته في العهد الجديد أي المعمودية له مفاعيل موضوعية للخلاص.

لذلك تعتبر الرؤية الفيدرالية مزيج بين اللاهوت العهدي المُصلح والكاثوليكية الرومانية Reformational catholicity، فبهذا التشديد على معنى المعمودية في التجديد وأهمية الأمانة للعهد باعتبار المؤمنين في العهد الجديد هم شعب العهد، وذلك من خلال مواظبطتهم على التناول والالتزام في الكنيسة المحلية، فما هذا التشديد إلا نفس رؤية الكنيسة الكاثوليكية على أهمية الأسرار في خلاص الإنسان. وهذا ما يُطلق عليه كما تم الإيضاح سابقًا الرؤية الفيدرالية المُظلمة Federal Vision Dark.

ويعتمدون في هذا التصريح على النص في متى 28: 19 المعروف بالإرسالية العظمى من الرب يسوع: اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. والذي من خلاله يؤكدون على أن دخول الأمم إلى الكنيسة باعتبارها جماعة العهد، يهب للأمم الخلاص والبركات العهدية أيضًا مثلما كانت إسرائيل قديمًا.

لذلك فخلاصة الأمر في الرؤية الفيدرالية يوضحها د. دومينيك أكويلا[10]: هو ان الإيمان بأمانة المسيح وطاعته على الصليب (مع تجاهل الطاعة الفاعلة للمسيح أثناء حياته) يؤدي إلى الدخول لجماعة العهد أي عضوية الكنيسة، والذي يتطلب معه الطاعة الفاعلة من الشخص طوال حياته فيما يسمى بالأمانة العهدية لجماعة العهد، هذا كله سيؤدي في النهاية إلى التبرير النهائي.

وهذا التصريح يشبه ضمنيًا المنظور المُحدَث لبولس New Perspective on Paul الذي يتزعمه ان تي رايت N.T.Wright و اي بي ساندرز E.P. Sanders و جيميس دي. جي. دون (James D. G. Dunn)ولكنهم يختلفون عنه في نقطة البداية.

فبينما يبدأ أنصار الرؤية الفيدرالية من العهد والمعمودية وعضوية الكنيسة، معطين للأسرار الكنيسة مفاعيل خلاصية، يبدأ المنظور المحدث لبولس من مفهوم مختلف للتبرير.

يشرح رايت في كتابه: ما قاله القديس بولس حقًا What saint Paul Really Said ان اللاهوتيون المُصلحون فهموا كتابات بولس الرسول عن التبرير بشكل خاطئ فهو لم يقصد تهميش الأعمال من الخلاص بشكل عام ولكن أعمال الناموس، فيقول رايت: "من الواضح أن هذه النقطة لها أهميَّة كبيرة، ولكن لا يسعني سوى أن أكررها في حالة وجود أي شك: لم يكن اليهود مثل شاول الطرسوسي مهتمين بنظام نظري للخلاص، خارج إطار الزمن، وغير تاريخي. ولم يكونوا حتى مهتمين بالدرجة الأولى، كما نقول اليوم، 'بالذهاب إلى السماء عندما يموتون"[11]

وأيضًا: "لم يكن "التبرير" في القرن الأول يتعلق بكيفيّة إقامة شخص ما علاقة مع الله. بل كان يتعلَّق بالتعريف الإلهي الإسخاتولوجي، سواء للمستقبل أو الحاضر، لمن كان حقًا عضوًا في شعبه. في عبارات ساندرز، لم يكن الأمر يتعلق "بالدخول في"، أو حتى "البقاء في"، بل كان عن "كيف يمكنك معرفة من كان في الداخل". وباستخدام المصطلحات اللاهوتيّة المسيحيّة المُتعارف عليها، لم يتعلّق الأمر بالسيتوريولوجي بقدر ما كان عن الإكليزيولوجي؛ أي ليس عن الخلاص بقدر ما كان عن الكنيسة".[12]

وأيضًا: "يُعلَن التبرير في الحاضر، على أساس الإيمان، ما سيُؤكِّده علنًا التبرير في المستقبل... على أساس الحياة بكاملها". [13]

ويعلق فيل جونسون على هذا الكتاب في مقاله ما هو الخطأ في رايت: "هذا أمر مثير للقلق لسببين: أولاً، إنه يجعل أمانة الإنسان في العهد - أي الطاعة - الأساس النهائي للتبرير، وبالتالي يُؤصِّل الإعلان النهائي للتبرير في أعمال المؤمنِ نفسه، بدلاً من تأصيل التبرير بالكامل في عمل المسيح التام والنهائي بالنيابة عنّا."[14]




الفصل الثالث

أوجه الاختلاف

في إطار لاهوت العهد، هناك نقاش مستمر حول طبيعة عهد الأعمال، في اللاهوت التقليدي الإصلاحي، يُفسر عهد الأعمال على أنه عهد طاعة كاملة للشريعة او الوصية المعطاة من الله لآدم في الجنة في عدن.

في حين أن عهد النعمة هو عهد «نعمة». وبموجب عهد الاعمال، طالب الله آدم، بصفته رئيس الجنس البشري الفيدرالي/العهدي، ان يطيعه تماما. لو اطاع آدم، لكان قد استحق الحياة الابدية وكان سيتأكد في البر. ولكن نظرًا لانتهاك عهده، عصى آدم مع الجنس البشري كله وخضع لعقوبة الموت.

ورجاء الجنس البشري الوحيد هو ان الله اختار بنعمة سيادية ان يفدي المختارين في المسيح، آدم الأخير، وهو الوحيد الذي يطيع الله تمامًا ويستحق تبرير المختارين بحسبان بره ودفع خطاياهم.

علاوة على ذلك، يشكك البعض داخل الرؤية الفيدرالية أيضًا في حسبان طاعة المسيح الفاعلة لشعبه، على الرغم من أن آخرين مثل دوجلاس ويلسون يؤكدون بشدة على حسبان بر المسيح إلى المؤمنين في تبريرهم. اعتمادًا على النسخة أكثر نورًا من الرؤية الفيدرالية “Federal Vision Light”، وبحسب هذا التنوع داخل الرؤية الفيدرالية، لا يمكن تعميم هذه التهمة لكل اتباعها، على الرغم من أنها أكيدة بالنسبة لبعض مؤيديها.

ولذلك فإن الأغلبية من أتباع هذا الفكر لا يتبعون الفكر المصلح الذي يعتبر ان بر المسيح سواء في طاعته الباذلة على الصليب في حمل الخطايا أو في طاعته الفاعلة أثناء حياته على الأرض بطاعة وصايا الناموس، كلتاهما يحسبان للمؤمنين به الذين اتحدوا به من خلال الإيمان وحده بالنعمة وحدها، فيتبررون قضائيًا أمام الله مرة واحدة وللأبد، ولا مجال لأمانتهم في هذا التبرير. كما يقول الكتاب المقدس: "لأنه جعل الذي لم يعرف خطية، خطية لأجلنا، لنصير نحن بر الله فيه. (2كو 5: 21).

لذلك فأكبر خطورة لهذا التعليم هو خلط التبرير بالتقديس، فيصبح التبرير ليس هو حكم قضائي لكنه عملية مستمرة يساهم فيها الإنسان بطاعته وأمانته، فيتحول الخلاص من أنه خلاص بالنعمة وحدها بالمسيح وحده، من خلال الإيمان وحده، إلى خلاص بالإيمان والأعمال معًا.

ولا يستطيع فيه المؤمن الحقيقي الشعور بضمان الخلاص لأنه متوقف ليس على البر المعطى من الله على أساس كفاية عمل المسيح، بل المغروس في القلب لعمل الصلاح للنهاية.

فما هذا الفكر إلا انجيل آخر يضع على المؤمنين الدور الأكبر في نوال خلاصهم. ليس هو إلا كاثوليكية جديدة في ثوب مصلح فقط، يرتدي رداء العهد ويكتسي بثوب العلم الكتابي، لكنه يعتمد على الإنسان في خلاصه. مثله مثل الإنجيل الآخر الذي قاومه بولس الرسول في رسالة غلاطية.

ومن جهة المعمودية: ففعاليتها حقيقية، لكنها مشروطة. إنها دائمًا نعمة لتلقي مطر الله السماوي (عب 6: 7-8). ولكن إذا كان المعتمد يرفض ما يقدمه الله في المعمودية، أي الاتحاد بالمسيح نفسه، تصبح مياه الحياة تلك مياه غرق ومياه حكم ودينونة.

يعلق برينتس ووترز على المعمودية في كتابه الذي يحلل الرؤية الفيدرالية الذي سبق تم الاقتباس منه: "المعمودية هي إعلان اتحاد بالمسيح، حتى بصرف النظر عن تجاوب الشخص معها، تمامًا كما في حالة الكرازة. فالخبر السار لا يصبح خاطئ لمجرد أن المتلقي لا يصدق. لا يتوقف عن كونه كلمة الله. وبالمثل، المعمودية لا تتوقف عن كونها وسيلة للنعمة الحقيقية لمجرد أن المعتمد لا يمارس الإيمان." [15]

كما أن إقرار ايمان ويستمنستر في الفصل الثامن والعشرون في بند المعمودية ينص على:

" المعمودية هي سر العهد الجديد، قد عيّنها يسوع المسيح، ليس فقط لأجل الانضمام الرسمي للشخص المعتمد إلى الكنيسة المنظورة؛ بل أيضًا، لتكون له علامةً وختمًا لعهد النعمة، ولغرسه في المسيح، وللتجديد، ولمغفرة الخطايا، ولتسليمه لله، بيسوع المسيح، ليسلك في جدة الحياة. هذا السر، بتعيين المسيح شخصيًّا، يجب أن يستمر في كنيسته حتى نهاية العالم.

مع أن احتقار هذه الفريضة أو اهمالها هو إثم كبير، مع ذلك فالنعمة والخلاص غير مرتبطتين بها إلى حد عدم قابليّة الانفصال، حتى كأنه لا يمكن لشخص أن يتجدّد، أو يخلص، بدونها؛ أو، أن كل الذين اعتمدوا هم بلا شك متجدّدون.

إن فاعليّة المعموديّة ليست مرتبطة بتلك اللحظة من الوقت التي تُمارس فيها؛ إلا أنه، مع ذلك، بالاستخدام الصحيح لهذه الفريضة، لا تُقدم النعمة الموعودة فحسب، بل في الحقيقة تظهر، وتُمنح، بواسطة الروح القدس، لأولئك (سواء البالغين أو الأطفال) الذين تخصهم تلك النعمة، بحسب مشورة إرادة الله الخاصة في وقته المعيّن."

لذلك فللمعمودية أهمية مسيحية شديدة إلا أنها لا تخلص الإنسان ميكانيكيًا، ولكنها هي علامة العهد، ولكن مفاعيل الخلاص لا تأتي إلا من خلال عمل الروح القدس في الشخص لتجدده، وفي المعمودية يخلص الإنسان من حياته السابقة ومن ارتباطه بالعالم معلنًا اتحاده بالمسيح في حياة جديدة.

كما قال بطرس الرسول في حديثه عن نوح ومياه الطوفان:" الّذي مِثالُهُ يُخَلِّصُنا نَحنُ الآنَ، أيِ المَعموديَّةُ. لا إزالَةُ وسَخِ الجَسَدِ، بل سؤالُ ضَميرٍ صالِحٍ عن اللهِ، بقيامَةِ يَسوعَ المَسيحِ" (1بط 3: 21) فالمؤمنون يخلصون من العالم الشرير بالمعمودية كما خلص نوح وعائلته من العالم الشرير من خلال الفلك.



الـخـــاتــــمــــة

سيظل داخا اللاهوت المُصلح مناقشات عديدة حول بعض الأمور الفرعية حول معنى المعمودية لأعضاء العهد وعلاقة هذه العضوية في العهد بالمؤمنين المختارين، وما يترتب عليه بمعمودية الأطفال أم الكبار، ولكن كل هذه المناقشات بين الطوائف المُصلحة مثل المشيخية والمعمدانية لا تصل أبدًا إلى جعل المعمودية وسيلة ميكانيكية لخلاص الإنسان المُعمد، لكن أتفق المُصلحون على هذا الأساس الكتابي وهو أن الخلاص هو بالنعمة وحدها بالمسيح وحده من خلال الإيمان وحده، لمجد الله وحده على أساس كلمة الله وحدها.

وليس للإنسان دور في تبريره أمام الله، فهو عمل المسيح الكامل من خلال طاعته الباذلة على الصليب لله الآب لكي يحمل عن شعبه عقاب خطاياهم، وبطاعته الفاعلة أيضًا في حياته البارة التي أطاع فيها ناموس الله وعاش وفقًا لمشيئته الصالحة.

وهذه الطاعة الكاملة بنوعيها تحسب للمؤمنين الحقيقيين المتحدين بالمسيح، ويكون بر المسيح الكامل هو برهم أمام عرش الله، وأساس وضمان خلاصهم الأبدي وتبريرهم الكامل أمامه.

ولكن الرؤية الفيدرالية تبدأ من حيث ابتدأ المصلحون لكنها تنتهي بمشاركة الإنسان بأمانته العهدية للوصول في النهاية إلى تبريره النهائي أمام الله مما يصل بهذا الفكر لإنجيل آخر قد رفضه من البداية بولس الرسول في رسالته لكنائس غلاطية ناعتًا إياهم: أيها الغلاطيون الأغبياء من رقاكم!

كذلك فالخلط بين التبرير والتقديس أمرر جلل لا يصح، وكذلك إعطاء الأسرار المقدسة مفاعيل خلاصية ميكانيكية في حد ذاتها هو أمر خطير، كان هو من الأصل الشرارة الأساسية مع أمور أخرى للإصلاح الإنجيلي.

والرجوع مرة أخرى عنه لهو رجوع لكاثوليكية مُصلحة ما هي إلا مسخ، لا يحترم التقليد الكاثوليكي ولا الإنجيلي الكتابي، ويتعارض مع الإعلان الكتابي الواضح بالخلاص بالإيمان وحده بالنعمة وحدها.

الـــمـــراجــــــع

- إقرار إيمان ويستمنستر.


- محاضرات ماجيستير نيو جينيفا ، مادة اللاهوت المعاصر ، أكتوبر 2022


Printiss, Guy Waters. The Federal Vision and Covenant Theology: A comparative analysis. USA, P&R Publishing Co, 2006


Wright, N.T. What Saint Paul Really Said. USA, Eerdmans, 1997



The Federal Vision. An Essay by Stephen Wellum, Available on: https://www.thegospelcoalition.org/essay/the-federal-vision/



Prentiss, Guy Waters. The Federal Vision and covenant theology. an article available on: https://tottministries.org/the-federal-vision-and-covenant-theology-a-comparison-analysis-by-guy-prentiss-waters/




[1] https://www.theopedia.com/federal-vision [2] The Federal Vision, An Essay By Stephen Wellum, Available on: https://www.thegospelcoalition.org/essay/the-federal-vision/ [3] المرجع السابق [4] المرجع السابق [5] Guy Prentiss Waters, The Federal Vision and covenant theology, an article available on: https://tottministries.org/the-federal-vision-and-covenant-theology-a-comparison-analysis-by-guy-prentiss-waters/ [6] نفس المقال من الرابط: https://www.theopedia.com/federal-vision [7] https://www.wikiwand.com/en/Federal_Vision [8] Guy Printiss Waters, The Federal Vision and Covenant Theology: A comparative analysis (USA: P&R Publishing Co, 2006) 24- 30 [9] مرجع سابق [10] محاضرات ماجيستير نيو جينيفا – مادة اللاهوت المعاصر – أكتوبر 2022 [11] N.T. Wright, What Saint Paul Really Said (USA: Eerdmans, 1997) 32 [12] المرجع السابق ص 119 [13] المرجع السابق ص 129 [14] Phil Johnson, Article available in: https://ar.ligonier.org/articles/whats-wrong-with-wright-examining-the-new-perspective-on-paul/ [15] مرجع سابق ص 225

112 views0 comments